الجمعة، 2 مايو، 2014

يوسف ادريس - العتب على النظر

العتب على النظر-- من كام يوم جاءني حسن
قل لي يا دكتور
أقول لك يا حسن
هو فيه للحمير نضارات
ضحكت
فلابد حسن يريدني أضحك
لأ. جد
لا بد يريدني لا أضحك
سكت وإليه نظرت
ما تقول لي يا دكتور
أقول لك يا حسن
مش للحمير نضارات زي البني آدمين
كل كذا عام

لك يا حسن سؤال
لا يا حسن الحمير مالهاش نضارات
طب والعمل
وحماري لازم له نضارة
ايش عرفك
بقي يضبش
ويدخل علي مراتي
يفتكرها الزكيبة
هي تخينة زي الزكيبة
ان جيت للحق
صحيح تخينة
إنما مش زكيبة
يمكن بيغلط وكل حمار له غلطة
بس ده غلطه كتر
وبدأ يحرن
ويتوه عن الدار
ومرات يخبط راسه في الحيط
عشان حمار يا حسن
لا عشان بقت عينيه شيش بيش يا دكتور
وديته لحد يشوفه
شافه البيطار
وقال لك عايز نضارة
قال بيعه.. دا شرك. بيعه
بيعه
ما يجبش تمنه
والحمير الجديدة سوقها نار
والحل
عايز له نضارة يا بيه
أنت اتهبلت
نضارة ايه لحمار يا حمار
قول اللي تقوله
إنما أنا في عرضك
غيتني
إزاي
اتوسط لي في نضارة
والنضارة بوسايط
كله بوسايط النهاردة
إلا النضارة
مش عايزة واسطة
أمال عايزة ايه
عايزة كشف
والكشف فين
عند بتاع النضارات
يبقي خلاص. فرجت
أنا وقعت م السما يا بيه
وأنت استلقيتني
ست كيلات فول
واعمل له نضارة
أني حالي واقف
ومن يوم ما وغوش
أني سنقرت
***
وقعدت اضحك
افتكر حمار حسن
لبس نضارة
أموت علي نفسي م الضحك
لدرجة قلت لابد
وبكل طريقة يا حسن
أعمل لحمارك نضارة
***
لعم ناجي خدت بعضي ورحت
وعملنا اجتماع
ومن حيث المبدأ وافق
وفضل التنفيذ
والتنفيذ عايز كشف
والكشف عايز علامات
وأنهي حمار ده
اللي
ح يعرف فتحة العلامة منين
منين حا تعرف الفتحة يا حمار؟
***
وانضم حسن أبو علي لينا
وعلي أعلي مستوي قعدنا نضبش
وجانا الحل من حسن
حل مالوش مثيل
يا ابن الايه يا حسن
أما حتة حل
***
سهم حسن وقال:
يا بيه ويا عم ناجي
الحل عند الحمار
إزاي يا حسن إزاي
فتح حسن بقه وبص لكمه الشمال
وانكسف
هو بينكسف كده
وقال:
الحل حمارة الصاوي جاري
كان ساعة ما بيشوفها
ينهق عليها
ولما نظره ضعف
ما بقاش ينهق
إلا لما يقرب عليها قوي
وكل يوم والتاني
ماكانش يزر ودانه
إلا لما يدوبك
بوزه ينشه ديلها
***
وبعد مفاوضات
والصاوي خايف علي حمارته
ولولا إن عم ناجي
كبرت في دماغه
ماكانش حصل
وتم وجري الترتيب
نوقف حمارة الصاوي علي بعد قصبة
وحمار حسن علي باب الدكان
وأنا أمسك شنبر الكشف
وناجي يغير العدسات
بحيث لما يحط العدسة المظبوطة
نعرف أنها هي من نهيق الحمار
مادام كل ما كان يشوفها ينهق
فضروري لما يشوفها ح ينهق
ونعرف العدسة المظبوطة
وعدسات عينينا تنفع لعينين الحمار
تنفع ونص
قالها عم ناجي وفتح الصندوق
وصبيه طرد العيال ووقف زنهار
وحددنا مكان الحمارة
ومكان الحمار
ودورنا الحمارة
وخلينا راس الحمار
علي خط مستقيم
يصل بين نقطتين
ديل الحمارة
ومناخير الحمار
وثبتنا الشنبر بدوبارة وحوالين الودان
ربطناه واشتغل يا عم ناجي
وثبت الهدف يا عم صاوي
وانهج يا حسن وكأنك حاضر
أول عملة في التاريخ
يعملها إنسي في حمار
***
زيادة في الاحتياط ثبت أنا الشنبر
وزيادة في الاحتياط مات حسن علي صندوق العدسات
وبسمل عم ناجي وكلنا وياه
وحط أول عدسة
واستعدل بوز الحمار
نفخ الحمار وعطس وهز كده، وكده راسه
وكأن شيء ما كان
ثاني عدسة
خاف الحمار واتاخد وغمض عينيه
وبدأ يرفص
سهل علينا ناجي وقال: أصلها عدسة بتكبر
ولازم شاف الحمارة بغل قدامه
الثالثة مسكنا لها جامد
ورمش الحمار عشر رمشات وابتدا يبحلق
وزر ودانه
وبان عليه علامات جد وخطورة
ولحقه عم ناجي بعدسة علي العين الثانية
حمحم الحمار ونفخ صدره
وزفر بصدر محروق
وراح مطلقها
تنهيقة مفاجئة خدتنا علي خوانة
وكأن قنبلة انفجرت
تنهيقة وأتبعها بالثانية
ورفع للسما راسه
وتشعبطنا نمسك العدة والشنبر
وغارة نهيق هاجت
ومعاها ضحكنا هاص
ينهق ونضحك
وحسن م الفرحة طاير
وحمارة الصاوي للنهيق
نخت ووسعت فتحة البرجل
وابتدا يفلفص
وحسن يصرخ: أهو شاف
ايش عرفك
شاور
شيء خرافي غريب يجعلك
تؤمن أن الجسد حيوان ساعة اللزوم يظهر
لا عقل له ولا فيه ولا أدب يعرف
حيوان حماري أسود غليظ بشفاتير
زي مارد كان في الجسم متخبي
ثانية ادلدل من القمقم
مارد طويل تخين يجعلك تتمني تبقي حمار مثله
خرجته من جحره زي الكمين الحي يستنفر
شيء لابد معه تتأمل
وتنكسف له
كأنك الغلطان
وارتبكنا احنا الكل خايفين نبص
ليكون عيب
ومش قادرين نشيل عينينا
لأن البصر من مكمنه بينشد
ومن غير أمر ولا خطة، الظاهرة
عمالة وشغالة والحمار ينهق
والوحيد الباصص بعيون الفرح والفخر
حسن أبو علي صاحب الحمار
يعمر بيتك يا دكتور
تسلم ايدك يا عم ناجي
أنا طالب القرب يا صاوي
وحمارتك أهه، موافقة
والجمهور علي الجوانب انتابته حالة
وكأنه بريمة اندكت في برقع الحيا للآخر
وحمحمة ورا حمحمة سخن الحمار والزمان
دا جنن الجدعان
وهب، قطعت رجليه القيود
واندفع خطوة
خطوة واحدة بس لأن العدسات نطت
والشنبر طار
وهديت تماما وفي الحال وحين كف البصر حركة
الحيوان
وعاد أليف مستأنس
ارتخت ودناه
ودلدل بوزه
وصرخ حسن
في عرضك يا عم ناجي
الحقني يا دكتور
الفرحة ما تمت
والدنيا بقت هس
لكن حماسنا كان لسه
ومرة ثانية ثبتنا الشنبر
وجاب ناجي عدسات اضبط
والنهيق عاد
وفي السما لعلع
وما عرفناش اللي حصل ايه
في نطة جامدة كان عند الحمارة
ودماغه زقت عمك الصاوي
وقدام عينينا ظاهرة كونية
وعفاريت الجسد في عز الضهر اتجننت
ولا عاد حمارة من حمار ولا ذكر من أنثي
الحياة الحمارة بغشوميتها وغبائها أصبحت أرقي
والقانون اللي عمل أنثي وذكر أصبح مرعبا
وهو يطلق عقال طاقة الالتحام
ولا الرعب النووي له الجميع أنشل
الطبيعة بصراحة وبلا خجل وعيني عينك
تتكلم بأعلي صوت، تصرخ، تجأر
تضع في أجسادنا الزلازل، وداخلنا تفجر البراكين
لحظة اختلال كون
وا ٌ لا انتظامه
منتهي عقله
والا منتهي جنانه
لحظة لا قيمة فيها الا قيمتك كذكر الطبيعة أو
كأنثاها
ولتذهب العقول والضوابط للأطفال والعاجزين
يلعبون ويعزون بها الأنفس
لحظة الفيض
الاجساد ثائرة وفائرة تدفق رحيقها
بكل بدائية تفجرات الشمس
ومد القمر
ووحشية الإعصار
***
واختفي الكل ولم يعد سوي ثلاثة
حمار حسن وحمارة الصاوي وقامة قصيرة تشب
وتريد
مطاولة الموقف واللحظة، قامة أبو علي وقد فقد،
للحظة، وعيه الكامل وملامحه وقد أصبحت تنطق
بالسرياني وتزمجر بأزيز يرعب حسن ويرعبنا
***
ولا تتصور ظاهرة مهولة كهذه
تنتهي كما انتهت، فجأة، ويحل السكون عاتيا
شاملا وكأنه العودة إلي القبر.
***
ودعونا من خناقة حسن والصاوي
فالصاوي أنشب أظافره في حسن بدعوي أن الاتفاق كان علي الكشف من بعيد لبعيد فقط، ولم يكن الوثب
أبدا داخلا في اعتباره. وحسن يرد بغرور أن علي الصاوي أن يحمد الله فحمارته من فرط قبحها بائرة
السوق، وفي جوفها الآن نطفة حمار حصاوي منياوي لا يقل أجرها عن جنيه.
وكأنهما بالاشتباك الذي دار والعمامات التي تهدلت والصراخ والجئير يعيدون للكون نشازه بعد انسجامه،
وضجته التي لا معني لها بعد فحيح الضجيج الخالق.
أما حسن فقد أصبح قتيل النضارة، تلك النضارة بالذات، فلم يعد مهما لديه أن يري بها حماره الطريق،
الأهم، الكسب كان يأتي بنضارة الوثب تلك، الوثبة بجنيه، سعر محدد، منها خمسة وعشرون قرشا بدل نظر
أو بالأصح بدل نضارة.
أما عم ناجي فقد تطوع بتصنيع شنبر خاص لحمار حسن، بل واحضر له عدسات أكبر، وأصبح حمار حسن
ونظارته من معالم القرية، وبالذات نقطة جذب السياحة الداخلية لأهالي القري المجاورة.
وعاث الحمار في أرض القرية بنظارته فسادا، فلم يترك أنثي علي حالها، بل أحيانا كان يناوش حتي ذكور
الحمير.
وأشاعوا أن حسن ارسل حماره لكتاب الشيخ حسنين، وأنه تعلم القراءة بسهولة تامة اذ علي رأي عم
ناجي: أنا مركب له نضارة تقرا لوحدها.
بل وفعلا، وقد رأيت هذا بنفسي، كان الحمار كثيرا ما يري وهو يحدق في مانشتات الصحف الحمراء، وان
بعضها كان يعجبه فيلعقه بلسانه والآخر كان لا يعجبه فيمضغ الصحيفة وعنوانها ثم لا يلبث ان يبصقها
وينهق بشدة علامة الضيق الشديد.
وربما لهذا صمم حسن علي منعه من الاطلاع علي أي جريدة أو مجلة فقد لاحظ أن القراءة بنضارة الوثب
تقلل كثيرا من قدرة دابته، ويخسر بعدها بضعة جنيهات من جراء 'سدة النفس' التي تحدث لحماره، عقب
كل جريدة يقرأها ويمضغها ويبصقها، وجاهلا سيصير الحمار، وماذا يهم: الأدب أو قلته فضلوه علي العلم.
***
ومن يومين جاءني حسن
وسألته عن الحال، قال: لبن
وعن النضارة، قال: حديد
وعن الحمار، قال: عقبال أملتك
ثم ابتسم، مخفضا فتحة فمه الي أسفل، راشقا
عينه في كمه الأيسر، طريقته في الخجل، ثم
بتنهيدة من أعماقه قال:
ألا قول لي يا دكتور
أقول لك يا حسن
مادام نضارات البني آدمين بتنفع الحمير، يا تري
نضارات الحمير تنفع البني آدمين
ليه يا حسن
سألت
قال: أصلي عايز أتوكل علي الله وأعمل نضارة
إليه نظرت
ورفضت أن أضحك
فماذا بالله عليكم يضحك في السؤال
بالله عليكم، ماذا في هذا رغم ذاك، يضحك؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق