السبت، 3 مايو، 2014

الوحى الامريكى - عبد العظيم حماد - 1

قصة الارتباط البناء بين امريكا والاخوان 
ويأتي باراك أوباما امتدادا لكلينتون وكيندي..لكن التاريخ سيثبت أنه الرجل الذي أخضع الإسلام السياسي للمشروع الصهيوني – عبدالعظيم حماد

الوحي الأمريكي (1)
قصة "الارتباط البناء" بين أمريكا والإخوان
عبدالعظيم حماد

إنه كتاب مما ينصح الناس كثيرا بالبحث عنه وقراءته...
في خاتمته، يحكي المؤلف والصحفي المعروف "عبدالعظيم حماد"، حادثة شخصية دالة جرت في أجواء كتابته التي تزامنت مع الإعلان الدستوي الذي أصدره الرئيس الإخواني السابق ويصفه المؤلف بأنه كان "الأزمة الوطنية والديموقراطية الكبرى". يقول:
"عندما كنت أقف على رصيف مترو مصر الجديدة (خط النزهة) وإذا بمجموعة أوراق وبوسترات تتطاير، وتتناثر على الرصيف في هبة ريح قوية بعض الشيء وسمعت صوتا يعلو بنبرة تشي بالشعور بالانتصار، وهو يقول لشاب أصغر منه سنا..إمسك صورة البطل حتى لا تقع على الأرض، فتصورت أنه يقصد أحد أبطالهم في موقعة الليلة الفائتة، ممن كانوا الأكثر ضربا للثوار، وسألته من هو هذا البطل الذي تخشى من وقوع صورته على الأرض، وكأنه آية من كتاب الله؟ فأجاب بزهو وثقة: البطل محمد مرسي، فعدت أسأل: ولماذا هو بطل في نظرك؟ فأجاب: إنه قهر الليبراليين والعلمانيين، وسوف يخلصنا منهم.
عدت أسأل: هل هذه هي رغبتك الشخصية، أم هذه خطة الجماعة التي أبلغتم بها؟
لم يجبني مباشرة، ولكنه بادر فسألني: هل يرضيك أن تجتمع السفيرة الأمريكية بالبرادعي، وعمرو موسى، وسيد البدوي، وحمدين صباحي لمدة 8 ساعات في مقر حزب الوفد؟
قلت: وماذا في ذلك؟
قال: إنها السفيرة الأمريكية..أقول لك.
قلت: ولماذا يرضيك أن تجتمع السفيرة الأمريكية، ومن قبلها السناتور كيري، والسناتور ماكين، والرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بقيادات الإخوان، وقيادات حزب الحرية والعدالة، ويجب أن لا يرضيني اجتماعهم بقيادات المعارضة؟
مرة أخرى: لم يجب مباشرة، وقال إن كيري، وماكين وكارتر لا يشغلون مناصب رسمية.
قلت: تقصد تنفيذية، لأن كيري وماكين قيادات بارزة في الكونجرس..فما الفرق؟
أجاب خارج السياق قائلا: إنك علماني، ولم تنتخب مرسي.
قلت: هذا خارج حوارنا، وأنا أيضا لم أنتخب شفيق..لكن خروج على موضوع الحوار بخروج على موضوعه: هناك سؤال يشغلني، وأريدك أن تجيبني عليه، مع أن قيادات في الاخوان تتهرب من الإجابة عليه؟
قال: ما هو؟
قلت: هل أخذ أحد رأيكم في تغيير موقف الجماعة وحزبها من اتفاقية السلام مع اسرائيل؟ وهل وافقتم؟ ومتى حدث ذلك؟ ولماذا؟ وهل سمعتم بشيء اسمه الارتباط البناء بين الولايات المتحدة والاخوان المسملين؟
نسيت أن أقول إن عددا كبيرا من زملاء هذا "القائد" الإخواني الميداني كانوا قد التفوا حولنا مع إطراد الحوار...
وهنا أجابني الجميع بصوت واحد: لا نريد أن نعلم... فماذا تريد أنت يا علماني؟!
قلت لا أريد شيئا...وشكرتهم...واستأذنت، وانصرفت سائرا في اتجاه بوابة نادي هليوبوليس، وإذا بأحدهم يشيعني بالعبارة التالية: آه..لقد عرفناك الآن.. أنت عضو في هذا النادي: أفجر نادي في مصر... نادي العلمانيين"
ربما يبدو هذا الحوار المثير، الذي حرص الكاتب على أن يسرده بتفاصيله، أنه لا يحمل جديدا مفاجئا. فعقلية الاخوان العقائدية العمياء والمقفلة على تلقين الجماعة السياسي كأنها آيات مقدسات، أصبحت مألوفة للجميع. لكن الغريب فعلا كما يلاحظ الكاتب أن يكون هذا الموقف الإخواني بخصوص قضية خطيرة مثل الشراكة الأمريكية الاخوانية والاتفاقية مع إسرائيل موقفا موحدا، بدء من قيادات و"رؤوس" الجماعة حتى قواعدها، أي:
"كيف يتفق أن يجيب هذا الشاب القادم من الدقهلية وأنصاره على سؤال مهم الإجابة نفسها التي يجيب بها على السؤال نفسه قيادات كبرى في الجماعة على أعلى درجة من التعليم مثل الدكتور عصام العريان والدكتور عمرو دراج؟"
وفي مقدمة كتابه يرصد المؤلف – كذلك بالتفصيل – وقائع الندوة التي حضرها القيادي الإخواني "عمرو دراج" عندما تهرب بوضوح من إعطاء أي إجابة مباشرة أو غير مباشرة لأسئلة المؤلف المحددة، وكان قد وجهها من قبل لعصام العريان تلفونيا دون الحصول على إجابة، والأسئلة كانت:
"متى وكيف اتخذتم القرار بتغيير سياسة الجماعة نحو إسرائيل؟ وهل طلبتم من واشنطن ذلك؟ وماذا كانت طلباتكم في المقابل؟ وهل تلقيتم ضمانات مكتوبة من واشنطن بأي شي؟ وعلى أي مستوى اتخذ هذا القرار؟ وهل عارضه أحد من داخل الجماعة؟ وماذا كانت حجج المعارضين، إذا كان هناك من عارض؟ وكيف رد المؤيدون على هذه الحجج؟ وهل أعلمتم بالقرار وخلفياته بقية أعضاء الجماعة؟ وماذا كانت ردودهم إذا كنتم قد أعلمتوهم؟"
العقلية الكهنوتية لجماعة عقائدية فاشية (وتعبير الفاشية من عندي ولم يستخدمه المؤلف) قد يصلح إجابة على مثل هذا السؤال. تدعمها إجابة أخرى نقلها المؤلف على لسان القيادي الإخواني "كمال الهلباوي" الذي انسحب من الجماعة نتيجة "تخليها عن بعض الثوابت"، جاء في إجابة الهلباوي:
"إنهم يقولون أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في بعض الأحوال يستشير أبابكر وعمر – رضى الله عنهما فقط -، وفي احوال ثانية يستشير عددا أكبر، وفي احوال ثالثة يستشير عامة من حضر من المسلمين، ومن ثم فلا مانع شرعا من اتخاذ قرارات في دائرة ضيقة للغاية"!
ورغم أن هناك فسادا في القياس يلحظه المؤلف "لأن أي مرشد عام للإخوان المسلمين مهما يبلغ من تقواه وعلمه، لا يجوز له أن يضع نفسه في مقام النبي، لسبب بسيط هو أن النبي كان مؤيدا بالوحي، وبصيرة النبوة" إلا أنه – وكما يلاحظ المؤلف أيضا – أن النبي كان يستشير فيما ليس فيه وحي، والأهم أنه كان يستشير الجميع حينما يتعلق الأمر بـ"قرار مصيري يمس كل المسلمين، وهذه هي القاعدة التي يجب أن يلتزم بها المرشد العام للإخوان، غير المؤيد بالوحي".
والأدلة من السيرة النبوية لا يمكن أن تخطئها ذاكرة قارئ للسيرة على أن الشورى في حياة النبي كانت "شورى عامة" في حالة أن يكون الأمر عاما، في أحوال الخروج لملاقاة الكفار مثلا، وكانت الشورى تصبح "شورى خاصة" في حال أن تتعلق بأمر خاص مثل استشارته – صلى الله عليه وسلم - خاصة أصحابه خلال واقعة "حديث الإفك". بينما لم يخبر النبي – مثلا - أحدا بوجهته خلال فتح مكة لأنها كانت "مسألة وحي".
غير أنه من الواضح أن "الإخوان لم يستشيروا أحدا" حتى من داخل الجماعة وأعضائها أنفسهم، في قضية خطيرة، تمس ماضي وحاضر ومستقبل أمة، وتعد في تتابع فصولها ميراثا لشعوب بأكملها، والأخطر أنه اتخذ فيها قرارت مخالفة لإيديولوجية الجماعة ومواقفها الديماجوجية المعلنة، وأهمها موقف الجماعة من الكيان الصهيوني، ومن اتفاقية "كامب ديفيد".
فيما بدا واضحا للعيان - كذلك - بعد ثورة 25 يناير، من خلال تصريحات صادمة، أن المواقف قد تغيرت بالفعل. وكان على رأسها تصريح "العريان" القديم بأن الجماعة عليها أن تتعامل مع إتفاقية "كامب ديفيد" بمعايير المصلحة السياسية لا بمعايير الحرام والحلال. لكن أخطر هذه التصريحات جميعا، كانت دعوته – العريان أيضا!! – ليهود مصر المهاجرين إلى إسرائيل بالعودة إلى موطنهم الأصلي بعد أن طردتهم منه مصر بقرار من الرئيس جمال عبدالناصر (!!).
وكانت هذه المغالطة الخطيرة لحقائق الواقع والتاريخ تحمل في باطنها وعدا أو تمهيدا لتعويض اليهود المطرودين ماليا، ومن ثم يصبح الطريق مفتوحا لـ"تجرى مقاصة، تدفع بموجبها مصر، والدول العربية، التعويضات المستحقة للإسرائيليين "المطرودين منها" للاجئين الفلسطينيين المستحقين للتعويض طبقا لقرار الأمم المتحدة، القاضي للاجئين الفلسطينيين بالعودة أو التعويض"!.
وكانت "اللعبة" في كل هذه التصريحات التي تمهد الرأي العام، تفضي دائما - وبعدما تحدثه من صخب - إلى أن يصدر بيان من مكتب الإرشاد الإخواني يؤكد أن "العريان" يعبر عن رأيه الشخصي ولا يمثل ما قاله موقف الجماعة!
فما هو يا ترى موقف الجماعة التي "احتكرت الإسلام الذي جاء أصلا بوحي من السماء، وانتهت إلى تلقي الوحي من البيت الأبيض ورسله، من مفكرين، ومخططي سياسات، وأخيرا أعضاء كونجرس ودبلوماسيين"؟
إنه ما يرصده كتاب "الوحي الأمريكي" للصحفي الكبير "عبدالعظيم حماد". يرصده بالمعنى العلمي والتاريخي الذي يمكن أن يحويه مفهوم "الرصد". رصدا تاريخيا أمينا من خلال استعراض تفاصيل إتصالات وتقلبات علاقة الجماعة بالولايات المتحدة، ثم يرصده رصدا سياسيا واقعيا موثقا بدء من عام 2007، في هذا التاريخ الذي بدأت فيه أولى الخطوات السياسية لـ"تجديد النذور" والشروع في استراتيجية "الارتباط البناء" بين الجماعة وأمريكا و"ثالثهما إسرائيل".
إنه كتاب من تلك الكتب التي تعد خسارة القارئ – عند تفويت قراءته - ليست بالقليلة. فهو، فوق ما يتضمنه من حشد الحقائق الموثقة بدقة الكاتب وضمير المؤرخ، يتضمن الرؤية السياسية والتاريخية الشاملة التي تكشف الطريق لمن ضلوا الطريق، وتفك العديد من شفرات الغموض أمام عيون القارئ غير الملم بدقائق السياسة وخلفيات التاريخ، وتميط اللثام عن محركات ودوافع حقيقية لقرارات وأحداث أريد لها أن تظل في خفاء بمنأى عن عيون الناس ووعيهم، وعن ضمير الرأي العام المصري من بعد – أو برغم – وقوع ثورة مصرية عظيمة، هي ثورة 25 يناير المجيدة.

إسرائيل أولا : فتنة أرض التوراة
بدء من مقدمة الكتاب يجلو الكاتب لقارئه "موقفه الشخصي" من القضية التي يتناولها:
"فمن حيث المبدأ لا أدعو الإخوان، ولا غيرهم، إلى إلغاء الإتفاقية مع إسرائيل، بل أرى مثل هذه الدعوات تهورا، وتشنجا لا يحسب حسابا للعواقب الكارثية لضعف مصر والعرب والمسلمين في كافة موازين القوى الداخلية والإقليمية والعالمية، في هذه الحقبة من التاريخ، ولذا فالكتاب لا يستهدف في المقام الأول انتقاد جماعة الإخوان، التي لم تتحل بهذه (الحكمة) سوى تحت الضغوط الخارجية، وعلى بريق غواية الوصول إلى السلطة، ولكن ما نستهدفه في المقام الأول والأخير – قبل الانتقاد والتقويم – هو كشف ما يخفيه الإخوان من حقائق، وتأصيلها في سياقها الداخلي والخارجي، وإظهار الخطاب المزدوج للجماعة، وحزبها في هذه القضية، ما بين العداء اللفظي لإسرائيل للاستهلاك المحلي، وما بين المرونة والإفراط في الواقعية الإنتهازية في الاتصالات الخارجية".
والباب الأول والثاني من الكتاب خصصهما المؤلف لاستعراض الخلفيات التاريخية التي لا يمكن للمرء أن يزعم استيعابه للقضية والإلمام بها إلا في ضوئها. وهو يستعرض خلالهما سياقين تاريخين مهمين، هما إسرائيل والإخوان، يعد كل منهما – في منهج البحث للكاتب - خطا زمنيا ممتدا بموازاة الخط الآخر، ولقاؤهما معا على الأرض الأمريكية – إذ أن إلتقاء الخطوط المتوازية لا يعد أمرا مستحيلا في سياسة الإمبراطورية – هو ما يشكل ملامح استراتيجية "الارتباط البناء".
ملامح وأبعاد الخط الأول – الأقدم تاريخيا - هو ما يتضمنه الباب الأول بعنوان "أمريكا الصهيونية". ويدور حول أبعاد الالتزام الأمريكي الراسخ نحو إسرائيل "وأسباب رسوخه في الماضي، والحاضر، والمستقبل، على الرغم من تناقضه في أحيان كثيرة مع ميثاق الأمم المتحدة، ومع المصالح الأمريكية ذاتها".
وما تكشفه فصول هذا الاستعراض التاريخي بالباب الأول، بفصوله الثلاثة ذات العناوين الموحية (أمريكا الصهيونية – الجذور – النصح والمشورة الودية!)، هو أن دوافع وأسباب الارتباط بين أمريكا وإسرائيل ذات جذور أبعد وأقوى بكثير من "الدوافع الاستعمارية التقليدية أو من سيطرة اللوبي اليهودي على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وكذلك أعمق جذورا من الضرورات الاستراتيجية لحقبة الحرب الباردة، وهي أيضا أعمق جذورا من مجرد التعاطف مع شعب اضطهد كثيرا وتعرض للهولوكوست النازي، فلكم تعرضت شعوب للإضطهاد والإبادة الجماعية حتى على يد الأمريكيين أنفسهم مثل السكان الأصليين للولايات المتحدة، دون أن تتكون عقدة ذنب أمريكية (فضلا عن أن تكون أوربية) من أجلهم".
ويرصد الفصل الأول كيف أن "هتلر" كان لايزال عريفا في الجيش، عندما كان الرئيس الأمريكي "ودرو ويلسون"، صاحب مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، "يتحدث إلى إصدقائه، مثل أنبياء التوراة، قائلا لهم: إنها لنعمة إلهية أن يتوجب عليّ أنا ابن القسيس أن استعيد الأرض المقدسة لشعبها".
ويحكي كيف أن الرئيس "فرانكلين روزفلت"، الذي انفجرت على عهده الحرب العالمية الثانية بما تضمنته من مجازر ومحارق نازية ليهود أوربا، كان يفكر في إعادة توطين اليهود الفارين في روديسيا الشمالية (زيمبابوي حاليا، أو كينيا، أو تنجانيقا (تنزانيا حاليا)، أو في برقة الليبية، أو وادي أورينيكو غير المأهول بالسكان بأمريكا الجنوبية. لكنه في حملة إعادة انتخابه لفترة رئاسية رابعة، أعلن التزامه بإقامة وطن قومي لليهود بفلسطين، فيما وافق في اليوم التالي مباشرة على رسالة من الخارجية الأمريكية للدول العربية تقدم ضمانات سرية لمنع إقامة وطن قومي لليهود بفلسطين، وخلافا لما أعلنه. وكان هذا هو أول نموذج "الضمانات التي تقدم للعرب سرا، ثم لا يلتزم بها بحجة أن الأوضاع تغيرت".
ويأتي خلفا لروزفلت الرئيس "هاري ترومان" ليتبنى المشروع الصهيوني في فلسطين برمته ويؤيد قرار التقسيم، ويعترف بإسرائيل بعد ساعة واحدة من إعلان قيامها. وقد روي عن "ترومان" أنه قال لمجموعة من الدبلوماسيين عام 1945: "أيها السادة: أنا أسف، لكن عليّ أن أقدم إجابات لمئات الألوف من الأمريكيين التواقين لنجاح الصهيونية، وفي المقابل فليس لدي مئات الألوف من الناخبين العرب".
غير أنه من غير الثابت تاريخيا أنه قال ذلك، كما أن اعتقاد البعض أن تأييد أمريكا لإسرائيل هو لأسباب انتخابية محلية اعتقاد وهمي. فالثابت تاريخيا أن ترومان "كتب بنفسه في مايو عام 1948 – أي عام الحرب العربية الإسرائيلية الأولى – رسالة إلى ممثل نيويورك في مجلس النواب، يقول فيها، أنه يستبعد العوامل السياسية المحلية (يقصد الانتخابية) من اعتباره إلى أقصى حد ممكن، فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية".
ويبقى السؤال : لماذا أيد "ترومان" – وكل رؤساء أمريكا حتى اليوم – قرار تقسيم فلسطين واعترف ودعم دولة إسرائيل؟. وتبدو لي إجابة هذا السؤال التي يطرحها المؤلف مرتبطة بفهم أسباب دعم الشعب الأمريكي كله لدولة إسرائيل: "وها هي الإجابة، إن ترومان كان دارسا متعمقا للتاريخ، وكان يعتقد أنه يفهم المحنة اليهودية، ولذا فهو يؤيد الدولة اليهودية في فلسطين شرط أن لا يضطر إلى إرسال 500 ألف جندي أمريكي للدفاع عنها".
إنه الاعتقاد التوراتي الذي ورثته أمريكا عن أوربا هو ما يشعل جذوة الانحياز لإسرائيل، لدى كل رؤساء وقطاعات الشعب الامريكي، في تبنيهم للرؤية التوراتية لأرض الميعاد. فقد أيد 69 من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي وعد بلفور، دونى أدنى خلاف بين الجمهوريين والديموقراطيين، فور صدوره و"لم تكن هناك أهمية تذكر في ذلك الوقت لأصوات الناخبين اليهود، ولا لتبرعاتهم المالية".
وهو ما عبر عنه الرئيس "جونسون" بصراحة عام 1968 لأعضاء منظمة بناي بيرث الصهيونية، إذ قال لهم:
"إن أغلبيتكم – إن لم يكن جميعكم – لديه ارتباط بأرض وشعب إسرائيل مثلي تماما، لأن إيماني المسيحي ينبع منكم، إن القصص التوراتية قد نسجت ذكريات طفولتي، تماما مثلما أن نضال اليهود المعاصرين للتحرر من الاضطهاد قد نسج في أعماق أرواحنا".
وفي الفصل الثاني (الجذور) يلقي المؤلف الضوء على حالة النخبة السياسية الأمريكية التي يعدها "صهيونية بالمعنيين الثقافي والسياسي ومعها قطاع كبير من رجال الدين والمثقفين من قبل أن تولد الصهيونية نفسها كحركة سياسية". وهي حالة تختلف عن حالة النخبة السياسية الأوربية:
"في الحالة الأمريكية، كانت اتجاها غالبا ومستمرا في التنامي بين النخبة السياسية، فيما ظلت في أوربا أقل انتشارا، باستثناء بريطانيا العظمى. وفي الولايات المتحدة صار الرأي العام هو الآخر صهيونيا، فيما كان الرأي العام الأوربي منشغلا بالمشكلة اليهودية، دون أن يؤمن في مجموعه بأن حل هذه المشكلة هو إقامة دولة يهودية في فلسطين".. أرض الميعاد.
فالرطانة التوراتية، كانت هي الرافد الثقافي الأمريكي الأول والغزير الذي يصب في نهر الصهيونية "وهنا تضافر عاملان: الأول هو إعادة اكتشاف التوراة (العهد القديم) كمكمل ومفسر للإنجيل (العهد الجديد). ومن ثم شيوع التعاطف مع اليهود، والشعور بالامتنان لهم، لأنهم حاملو الشعلة الإلهية المقدسة التي وصلت إلى المسيح، والثاني: الاعتقاد بأن تجمع بني إسرائيل في فلسطين مرة أخرى هو المقدمة الحتمية لعودة المسيح إلى الأرض، أو للظهور الثاني له".
وينشغل المؤلف بالفصل الثاني من الباب الأول بالتنقيب عن جذور الصهيونية الأمريكية التي توارثتها أمريكا، الابنة البكر لبريطانيا العظمى وحفيدة أوربا ككل، ووارثة عنصريتها كذلك. إذ يكشف عن تغلل الصهيونية في جميع أوصال المجتمع الأمريكي، بدء من رأيه العام – الذي أيد وعد بلفور فور صدوره – حتى سائر تكويناته السياسية والنقابية والثقافية والشعبية. وتفسر هذه المواريث الثقافية للأمريكيين النمط الثابت من تحيز الرأي العام الأمريكي المسبق لإسرائيل. ثم يليه، من ناحية الترتيب الزمني والأهمية الواقعية أيضا، التحيز المستمد من النمط السياسي. وهذا التحيز الأخير يفسره "ويليام كوانت" بقوله:
"إن الأمريكيين يستطيعون التوافق مع الطابع القومي الإسرائيلي، ذلك الطابع المتمثل في روح الريادة، والإلتزام بالديموقراطية، ومثاليات الحرية والحقوق السياسية، بطريقة ليس لها نظير في الجانب العربي".
وليصل المؤلف "عبدالعظيم حماد" من خلال تعمقه لأبعاد صورة "أمريكا الصهيونية" إلى إثبات هذه الحقائق السياسية الثلاث:
"أن أي ارتباط أمريكي بناء بالولايات المتحدة لقوميين، أو ليبراليين، أو يساريين عرب، أو إخوان مسلمين، أو سلفيين، أو غيرهم لابد أن يمر من الباب الصهيوني الإسرائيلي، ثم لنثبت ثانيا أن "الإسلاميين السياسيين" على عكس الفئات الأخرى يتبنون خطابا مزدوجا في القضية، ولنثبت ثالثا أن المرور من الباب الإسرائيلي الصهيوني وصولا إلى واشنطن قد يكون مفهوما من تلك الفئات، لكنه متناقض جذريا مع تاريخ ومعتقدات الإخوان، وأنه مثل انقلابا في فكر وأراء الجماعة، لم يتحدث عنه، ولا يتحدث عنه أحد".
أما في الفصل الثالث - من الباب الأول - بعنوان "النصح والمشورة الودية" فيتتبع المؤلف فيه بداية من الخمسينيات نماذج "النصح والمشورة الودية الأمريكييّن لمصر، مقرونة بالمحطات الكبرى لفرض الإذعان عليها، ومن ثم على العرب، فيما يتعلق بإسرائيل تحديدا".
فحين أيقن الأمريكان من أن مصر تحت قيادة عبدالناصر لن تتصالح مع إسرائيل، بدأوا منأواة مصر بالتيار الإسلامي بزعامة الملك سعود بن عبدالعزيز ملك السعودية والذي تبنى الإخوان المسلمين في تحالف ضد الشيوعية، تحت الرعاية الأمريكية.
وعلى ما يقول الكتاب فإنه كان على مصر والعرب "قبول إسرائيل نصحا ومشورة ودية، وإلا إذعانا وقهرا. وقد تفاعل النصح مع فرض الإذعان ليقودا المنطقة في النهاية إلى الجمع بين الصهيونية...والإسلام السياسي".

- يتبع -


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق