الجمعة، 12 يونيو، 2009

الكائنات الخرافيه‏..‏ وماثورات البين بقلم : شوقي عبد الحكيم




الكائنات الخرافيه‏..‏ وماثورات البين
بقلم : شوقي عبد الحكيم


لعل شعبنا المصري من اكثر او من اندر شعوب العالم الموغله في الاعتقادات التي قوامها التشاوم والتفاول والحظوظ والقسمه والنصيب والعين الحاسده والعين الشريره وقدم السعد وقدم النحس والخمسه وخميسه وقراءه الفنجان وصراعات تملك المياه والبحث عن ميه المحاياه او ماء يعيد الشيخ الي صباه والسخط او التحولات السحريه بالاضافه الي ماثورات فراعين مصر ونمارده العراق وما بين الرافدين وعمالقه فلسطين‏.‏ وامثولات لقمان الحكيم او الحكيم لقمان والحكيم اصيقار في الادب السرياني‏,‏ وحكايات الاطفال الموعودين والجواري والزوجات المضطهدات وممارسات الختان واخذ الوش‏,‏ والربط الجنسي لكلا النوعين الذي وصلت وقائعه الي المحاكم من شرعيه ومدنيه‏.‏
وهي المعتقدات المنحدره من عصور ساحقه ولاتزال تواصل تواترها وتوالدها الذاتي وهو ما استوقف عشرات الرحاله والباحثين والاثنوجرافيين الذين زاروا مصر منذ هيرودت اي‏24‏ قرنا من الزمان وفيثاغورث وديودورس الصقلي واسترابون‏,‏ ومكفرسون الذي استهوته موالد مصر
والفرنسي عاشق مصر بييرلوتي والضابط الانجليزي جاير اندرسون ومتحفه الشهير القائم الي اليوم متاخما لجامع عمرو بن العاص يومه السائحون‏,‏ والفريد ياتلر ومولفه عن الكنائس القبطيه في مصر وجوميز ومولفه عن كنوز الفراعنه‏,‏ ووليم لين صاحب افضل كتاب الف عن شعب من الشعوب وهو عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم ثم الاثنان والاربعون عالما في مختلف المجالات الذين استقدمهم نابليون اثناء حملته علي مصر‏.‏
كل هولاء استوقفهم فيما بعد اغراق المصريين في افكار ومعتقدات التفاول والتشاوم حتي ان ابو التاريخ هيرودت ذكر بوضوح ان المصريين هم اول من توصلوا الي الافكار التي سادت العالم اجمع وانتشرت في الصحف والمجلات والستالايت‏..‏ عن الارتباط بين الابراج والنجوم وحظ من يولد مثل ابراج الاسد والجوزاء والحمل‏,‏ والقوس‏,‏ والحوت‏...‏ الخ
وخلال سنوات جمعي للتراث والماثورات الشفهيه منذ اكثر م‏40‏ عاما صادفني واستوقفني شخصيه خرافيه مشئومه او شريره لكائن يطلقون عليه البين وغراب البين بمصائبه وكوارثه وتنكيله بالبشر كقوه باطشه غير مرئيه تكثر ماثوراته سواء في الامثال الشعبيه او الشعر الشعبي وبخاصه الموال الاحمر والاشعار الجنائزيه وهكذا ويبدو ان لشخصيه البين هذه جذور ذات ملمح سامي للساميين من عرب وعبريين قد يرجع منبتها الي احد ملوك الشام واسمه يابين تملك علي الاسرائيليين بعد ان انتصر عليهم في عصر القضاه او شيوخ القبائل‏-1296‏ ق‏.‏م‏,‏ حيث فتك لهم واستعبدهم الي ان قام فيهم حاكم من سبط نفتالي يدعي بارق تمكن من اغتيال البين بمساعده امراه تدعي دبوره تعد اول شاعره بالعبريه‏.‏
ولهذه الشخصيه البين بشكل عام حكاياته وماثوراته وخرافته التي لاتنقطع خاصه في تراث الملاحم واشلاء السير المندثره مثل‏:‏ الملك معروف او ابنه الشاطر حجازي‏,‏ ووزيره البين وكذا المسرح الفلكلوري المرتجل وشخصياته‏.‏
فالبين في كل الحالات رمز الشوم والشر مثله مثل ست اوستخ في تراث مصر الفرعونيه‏,‏ قاتل اوزوريس ومغتصب عرشه كما ان طيفون‏-‏المقابل‏-‏ في تراث الحكايات الساميه العربيه الاسطوري‏,‏ اله الصحراء وهبوب الريح من خماسين لريح السموم‏,‏ المتجبر الذي وحدونه بالحمار ونعيقه‏,‏ الا ان مزايا البين انه كان كائنا خرافيا يحترق ويذري في الهواء‏,‏ انه ذلك الشر الذي يخالط الشهيق والزفير في المعتقد الجمعي الشعبي لهذا فهو يمتلك ذريه كامله تنمو وتتوالد بشكل متوال مثلها مثل اجيال البشر‏.‏
ومن الصعب حصر ماثوراته في التراث العربي الا انه يرد علي نحو متجدد في السيره المندثره الملك معروف وفابيولاته‏-‏فقبل احتضار الملك معروف عينه وصيا علي عرش ابنه الشاطر حجازي الا انه حبس حجازي في هاويه وانفرد بالسلطه في ممالكه بشكل شرير ضار لكن ما ان ينتصر الشاطر حجازي يسترد ملكه حتي يقتل البين ويذري رماده في الهواء هو وابنته‏,‏ التي عشقت حجازي ومكنته من سرقه سيف والدها‏-‏البين‏-‏ الطلسم والاجهاز عليه وبرغم هذا اثر حجازي عدم الزواج منها‏.‏وقتلها ونثر رمادها في الهواء استنادا الي موقفها في خيانه ابيها‏,‏ وبالتالي قبيلتها او وطنها موصيا بالولاء للقبيله قبل الزواج والحب‏.‏
واصبح كل من حلت به كارثه او حدث شووم يصرخ‏-‏ ياتري انا اصطحبت بالبين واللاعياله‏.‏
كما تناثرت رموزه‏,‏ وحيواناته وطيوره‏,‏ غراب البين ووجه البين‏,‏ ودبيب البين‏.‏
فلم تبرا من تمثل شخصيته‏,‏ وشروره السير والملاحم وكذا مسرحيات الافصال او الكوميديا دل ارتي والحكايات‏,‏ خاصه الخرافيه وبكثره كبيره للغايه بالاضافه للمواويل الحمراء التي عاده ماتتحدث عن ونكابا ونكائد الزمن والدهر والايام والخطوب مجانسه وموحده بينها وبين البين كما يتضح من النص التالي فهو يقوم باعداد طبيخ الحنظل لكي يروح ينتقي ويسقي المحرومين والشقيانين والمعدمين بدلا من مغتصبي حقوقهم‏,‏ كما انه في الخماسي الذي يعقبه‏-‏ النص‏-‏ يتبدي كاله كامل فهو الذي يهب الناس الغلب والشقاء‏-‏ حتي مخاطبه‏-‏ الغلبان‏-‏دعاه الي مشاركته ماهو مغروز فيه من شقاء يابين تجيش علي الغلب تشاركني‏:‏
البين طبخ طبيخ حنظل ومر علي العلله وبينقي سقي الظنايا وبيت المحرومين نقي البين ضربني بشمروخ شوم ومعقي كثير من الناس قاللي روح تستاهل شبكتني بالغرام هو الغرام ساهل ياما جهلنا واتاري الجهل بيعقي
وفي النص التالي‏:‏
البين لما عطاني الغلب باركلي صابح مسافر لقيته في الطريق باركلي
انا قتلته يابين تجيش علي الغلب تشاركني قللي انا مرسال والمرسال لاينضرب ولاينهان وانت هديه الدلال بيعاكي
كما ان للبين اسلحه حربه من مقاليع وسيوف ونبال‏:‏
البين ضربني بنبله علي التراب طبيت انا قلت ليه يابين؟
قاللي اكمنك علي الاصل الردي طبيت تسااهل ياقلب من يخزنك في جب شوف الدهب من غلوه بيتخزن في العلب وانت درت بخرج م الصوف عبيت ياقلبي قوللي علي وقعتك ازاي ماطبيت وللبين ايضا حكايات وماثورات قصصيه من نوع البالاء الشعريه جيده التصميم تكشف عن مواقف ايجابيه لعليل او معلول نازل البين وجها لوجه برغم غلبه او فقره وعوزه وعلته‏:‏
‏ يااهل الله العجب لعليل له قلب لاقي البين‏.‏
ومن شده الغلب اتخرم وقابل البين‏.‏
وهي اشعار وماثورات لاتزال تواصل تواترها علي الشفاه منحدره من جيل الي مايعقبه‏,‏ مثلها مثل منظومه الكائنات الخرافيه التي تسري سريان النار في الهشيم في مخيله شعوبنا وامتنا‏,‏ ولا اساس علميا لها سوي طبع الماضي علي الحاضر‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق