السبت، 19 مايو، 2012

مهداه من الكاتب والروائى على عبد الباقى الى صفحة شوقى عبد الحكيم

روح الأستاذ.!       

كانت تهيمن على ذلك البيت روح ذلك الأب ذو الجسد الضئيل النحيل فى جلبابه الغامق، وبعصاه ـ التى ما يزال يحتفظ بها عماد مُعلقةً على أجد جدران شقته ـ وسيجارته التى لم تكن تفارق أصبعيه أبداً إلا إلى شفتيه. غالبا ما كنت أراه يمشى وحيدا بمشيته الوئيدة مستغرقا فى أفكاره عما حوله فى الشارع.

وفى غبشة المساء كنت أراه مضطجعا فى وحدته أمام بيته الجديد.. كنت أمر به دون أن ألقى عليه السلام. كنت أشعر أنه يتابعنى بنظره، فلا بد أنه يعرف أنى صديق لابنه بهاء، وقد يكون قد هُيئ له أنه رآنى ذات مرة فى بيته. لماذا يتابعنى بنظره هكذا.؟ ألأنى لم ألقى عليه السلام. وكنت أنا ـ وما زلت ـ لا أحب إزعاج الآخرين بأى تحية ولا بأى سلام، وكنت متيقنا أن التحيات والسلامات المتوالى القائها عليه من المارين به حتما ولا بد أنها تصيبه بالضجر. وأنه الآن قد يكون نادما على الخروج بحدود بيته الذى كان دارا جميلة بذلك الفناء الأمامى الذى كان تتوسطة شجرة ناشرة أذرعها فى كل اتجاه.

كانت الدار بطلائها اللبنى تفتح إلى جهة الشرق متخلفة عن ضجيج الشارع بخطوات. الآن صارت بيتا حديثا وتحول جانبها الأيسر إلى واجهة بحرية زحفت إلى حد الشارع بعدما اقتطع الشجرة الجميلة.. والآن صارت جلسة الأب على نهر الشارع قبالة الحديقة المتدرجة لحى الملاّحة التى أنشأها كصورة مصغرة لحدائق بابل المعلقة حسبما كان يحلو لى أن أسميها فى ذلك الزمن الجميل.! فلم أشعر بوخزات نظراته فى ظهرى هكذا وهو الذى كان اختار لجلسته أن تكون هاهنا.!؟

لكم كنت أمر بتلك الدار عصرا وبشجرتها العجوز عندما كنت أهرع خارجا لمّا كانت طبول فرقة أحمد جعفر تدق فى أركان قلبى دقا.. كانت تشدنى مزيكة أحمد جعفر بضربات طبولة العميقة، وبآلاته النحاسية التى كانت ترجنى رجا. كنت أسرع للفرجة،فإذا بى أمام فرقة منظمة من صفين فى بزلاتهم الكاكية، ولها قائد فنان تتحس أصابعه آلة رفيعة سوداء فى مواضع معينة من جسدها فتتأوه بين يديه بآهات رفيعة عذبة تتدحرج على أنغامها موكب عجلات العربات الكارو المحملة بـ "عفش" العروس الذاهب فى زفته تلك إلى بيت العريس. كانت مواكب الزفاف تلك مدهشة. جذابة. وغريبةً علىّ أنا الوافد المستجد على بلدة سنورس. كانت مواكب لأفراح، يُقام فيها الفرح الواحد لأيام وليالٍ.. كانت أفراح لشعب حدد طريق نهضته، واطمأن لسير عجلات تنميته حسب خطة محكمة، فتفرغ لإقامة أفراحه ولياليه الملاح على هذا المنوال.

فى بيئة جميلة كتلك كانت نشأة كاتبنا شوقى عبد الحكيم. لكن أين هو.؟ لماذا أسمع به هكذا ولا أراه.؟ كانت الإجابة تأتينى غائمة، وكان يدور همس هنا أو هناك. إنه فى المعتقل لأنه من المعارضين لجمال. لا أذكر أبدا أن أحداً من أشقاءه افتخر بكونه كاتبا يدفع ثمن معارضته من حريته على يد حاكم مستبد. الآن كلهم يتباهون بأرصدة سجنهم فى المعتقلات وهم يتبارون فى مضمار رئاسة الجمهورية. قرأت ذات مرة أن من كان يُطلق عليهم "زوار الفجر" طرقوا باب أستاذنا لويس عوض، لما فتح وعرفهم قال لهم: "لا بد أنكم تريدون الأستاذ شوقى.. شقته فوق". وأشار إلى أعلى.!

ولا أذكر ـ هل من بهاء أم من عماد ـ أنى عرفت أن الأستاذ شوقى كان يطيب له، هو الآخر،أن يجلس ـ مثلى ـ هناك فى تلك الأحراش المنزوية إلى جانب ملعب كرة القدم بمدرستنا الثانوية التى كان قد تخرج هو فيها أيضا مثلنا. وكان أن رأيته ذات مرة بمفرده فى الملاحة.. كان يسير بوجهه الأحمر متجهما. غير ملتفت لأى أحد. رفعت وجهى إليه، وقعد بى صغر سنى على أن أسلم عليه.!

رأيته مرة أخرى فى ذات المكان من حى الملاحة وبجواره من كان فى مثل حجمه. إنه هو. فمن ذاك.؟ عرفت من عماد ـ فيما بعد ـ أنه كان أديبنا القاص صبرى موسى وقد جاء فى اصطحاب ( شوقى ـ هكذا يسميه عماد) فى زيارة قصيرة لبلدتنا. الذى أعجب له الآن أنى تكلمت معه عبر التليفون بعد ذلك بسنوات دون سابق معرفة.! .. كان ذلك وقتما تحادثنا أنا وعماد بشأن حيرتى عما يكون المصدر الذى نشترى منه عينة قصص الأطفال الإسرائيلية اللازمة لبحث دراسة الماجستير التى كانت تعدها زوجتى حينذاك. كان لطيفا. مهذبا. معجبا بموضوع البحث. متعاطفا معنا.. ومع ذلك لم أذهب إليه، برغم أننا كنا فى أمس الحاجة لأى مساعدة. أنا نادم الآن على عدم انتهاز الفرصة وقتها للقاءه بأكثر من ندمى على قضاء حاجتى على يديه؟ ..فلمَ لم أذهبْ.!؟ .. سينتابنى نفس الندم لعدم السلام على صلاح جاهين فى ذلك الصباح الذى وجدته فجأة أمامى فى إحدى طرقات حديقة الحيوانات.!.. تشاجر مع مخرجنا حسن الإمام أمام أمريكين عماد الدين عندما سألته: متى سنرى فيلما له فى مستوى أفلام الثلاثية.؟ .. ولمَ لمْ أدع نفسى تسمع منه ما سمعته من شكاية ممثلنا الكبير عبد الغفار عودة: "تصور أنه قال لى شكلك مش غريب علىّ وأنا أكلمه فى فى لقاء المثقفين والفنانين به فى معرض الكتاب. رئيس دولة ولا يعرفنى أنا.. ده يبقى إيه ده.!؟

"أُمال احنا هنا ليه بقى".! جملة قالها محمد منير فى فيلم حدوته مصرية من خلف قضبان المعتقل. جملة تلخص لنا ذلك الخصام والخلاف الذى لم يكن له أى داعٍ بين طليعة المثقفين وناصر. لم يفهموه. نظروا إليه كفاشستى، فلمّا أن أمم ولمّا أن ظهر لهم انحيازه بوضوح للجماهير، ولمّا أن أقام القطاع العام، وافتتح فى كل يوم مدرسة بجوار مصنع. لما كان هو البطل والزعيم، كان الوقت قد فات لكى ينضووا تحت رايته. خرجوا من معتقلهم وقد أثخنت جراح النكسة جسد الأمة. وفى حين هبّ هو واقفا، تعاوده مِشية الفهد (بتعبير هيكل) إذا بهم وقد انهمكوا فى لطم الخدود، وما يزالون.!.. وراحت فرصة لمْ الشمل، فى حين انصرف هو لبناء الجيش الذى سيعبر بنا إلى نصر منقوص فى أكتوبر.. نظر الرئيس السادات وقتئذٍ، فَسَهُلَ عليه الانقضاض على منجزات عبد الناصر التى كانت فى غير حراسها الطبيعيين من زمرة هؤلاء المثقفين العظام.!

كان الأستاذ شوقى واحدا من هؤلاء الساكنين فى أبراجهم العاجية، برغم أن كتاباته كانت من عمق بئر الناس الذين التحف بهم فى كل كتاباته ودراساته فى الفولكولور أو فى الأنثروبولوجيا من بعد، كانت كذلك منذ أن كان يجوب العِزب والنجوع والقرى وبيده ريكوردر يسجل عليه حكاوى التراث والعقل الجمعى الكامن فى الناس.!

سألت عماد، وكان ذلك فى أواخر أيام الأستاذ شوقى: هل الأستاذ شوقى مريض.؟ فأجاب بنعم، ثم استدرك مندهشا: ولكن كيف عرفت.؟ فقلت له: لكأن هذه المقالات التى ينشرها فى الأهرام لا يكتبها بخط يده. فأجاب ـ لدهشتى أنا فى هذه المرة ـ نعم.. هو بالفعل يُملل ما يكتب على آخرين بسبب مرضه. نعم كان يُملل ما يكتب، وصار يُملل علينا الآن محبته واحترامه.
See translation

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق