الاثنين، 16 أغسطس، 2010

ذكرى رحيل الكاتب شوقى عبد الحكيم




تراث ومأثورات
ذاكـرة الجماعــة
بقلم‏:‏ شوقي عبدالحكيم



من العسير تناول موضوع حول رواة السير والمداحين ومنشدي الملاحم ومغني البالادا والحكواتية أوحملة أدوات اتصال هذا التراث الشعبي المتناهي القدم دون التعرض للذاكرة الشعبية الجماعية التي حفظت لنا هذا التراث عن طريق الحكي والتواتر‏.‏
فلاخلاف علي أن الذاكرة الشعبية الجماعية هي التي حفظت لنا هذا التراث المتواتر منذ طفولة البشرية الأولي وهو الفولكلور‏,‏ وللذاكرة الشعبية تحت تأثير العادة والتوارث ـ حضورها واعجازها لمن خبر التعامل معها‏,‏ ذلك أنها مخزون متواتر الحلقات تحفظ أدق دقائق شعائر وممارسات الولادة الأولي والموت إلي أيامنا بنفس درجة حفظها لما يصاحب التنفس والتثاؤب وكل ما يتصل ويصاحب الانتقال من النيئ إلي المطبوخ بالنسبة لمطبخ البخار العصري‏,‏ كذلك فهي ذاتها الذاكرة الشعبية أو الشفهية التي أسهمت في الكشف عن الكثير من تراث البشرية التاريخي أو الحفري الاركيولوجي وما من كشف أثري اضطلع به مكتشف أو اركيولوجي لم يشهد ويستفد من مخزون الحكايات الشعبية والحواديت وفابيولات الكنوز ـ المقابر ــ المدفونة وعالم ما تحت الأرض منذ د‏.‏ فلاندرز بيثري الذي دأب علي تأكيد أن هذه الخرافات التي كان يجمعها ويستمع إليها من فلاحي الفيوم والدلتا‏,‏ قادته إلي اكتشاف كنوزه من الآلاف ــ المؤلفة من البرديات الأدبية والفولكلورية والتاريخية التي ينظر إليها اليوم بكل تقدير من برديات تحوي مسرحيات لكتاب التراجيديا اليونانية سوفوكليس ويوريبديس واسخيلوس والشئ نفسه أشار إليه ماريت وماسبيرو وكارتر مكتشف مقبرة توت عنح آمون وغيرهم من الرواد الأثريين الذين عملوافي حفائر ومكتشفات العالم العربي خاصة سوريا والعراق أمثال كلوديوس ريش وسيرهنري لايارد اللذين استفادا من ألف ليلة وليلة والنصوص الشفهية لفلاحي العراق في مناطق ومديريات الموصل وجلجاميش ونمرود وبقية رحاب العراق‏,‏ فللذاكرة الشعبية الجماعية أو الفولكلورية قدراتها واعجازها الذي لمست وأنا أواصل جمع شفاهيات منطقة مصر الوسطي في الفيوم وبني سويف وبعض قري المنيا والجيزة جعلتني في النهاية أعتقد إلي حد كبير في الذاكرة الشعبية كعملية ــ هدلية ــ عقلية تتكامل فيها عقول أجيال طولا وعرضا أو زمانا ومكانا ولا تكاد تفقد شيئا أو تفتقده من مخزونها الجمعي‏,‏ ومن هذا المدخل يمكن القول إنه لاشئ مفتقد‏,‏ بل إن المفتقد تاريخيا أو أركيولوجيا يمكن استجلاؤه والتحقق منه عن طريق الذاكرة الشعبية عن طريق دأب البحث في جمع المواد الفولكلورية أو متنوعات وعينات وعبارات الايتم أو النمط الواحد أو العنصر مهما يكن البحث جانبيا أو ضئيلا‏,‏ فالذاكرة الشعبية الجمعية هي التي حفظت لنا المجلدات الأربعة الأولي من ألف ليلة وليلة حين أقدم المستشرق الفرنسي أنطوان جالان علي جمع نصوصها الشفهية من راو سوري يدعي يوحنا الماروني التقي به في اللاذقية واعتبر هذا أول تدوين لليالي‏,‏ حين ترجمت إلي الفرنسية ومنها انتقلت إلي معظم لغات العالم‏,‏ ونفس الشئ بالنسبة لكليلة ودمنة وللعديد من الأعمال الروائية والحكايات مثل حكايات ومأثورات الديكاميرون ليوكاشيو وأيضا حكايات كانتربري وملحمة شبه القارة الهندية الكبري المابهاراتا التي يصل طولها إلي‏108‏ آلاف بيت من أبيات الشعر الثمانية المقاطع‏,‏ وكذلك شاهنامات الفرس الكبري عند الشاعر الفردوسي ويحفل تراثنا العربي الكلاسيكي بالنهج المتعارف عليه بالعنعنة أي عن فلان وما قبله‏,‏ وهكذا فالذاكرة الشعبية الجمعية تعد مخزونا لاينضب معينه بالنسبة للحفظ والتواتر أجيالا تعقب أجيالا‏..‏ صحيح أنها معرضة علي الدوام لفقدان الكثير من الحكايات والمأثورات وأشلاء السير والملاحم والأشعار الشعبية من مواويل والمراثي التي قد يعتريها النسيان والموات حين تصبح بلا فائدة أذكر مثلها في هذا مثل الكائن الحي‏,‏ وتلك هي القدرة الفائقة للفولكلوروالأثنيات بعامة في خضوعها والتزامها التلقائي بالانتخاب الطبيعي‏,‏ وحيث لايصمد للاستمرار والبقاء سوي النصوص والمأثورات الأكثر قيمة‏.‏

تحولات غيرت عالمنا العربي
هناك أكثر من تناول للنظر إلي الفولكلور‏,‏ أو تراثنا الشعبي العربي بما يشمله من مأثورات قد تكون اشعارا شعبية‏..‏ مواويل حمراء أو خضراء دنيوية أو أشعارا غنائية نبطية ذات ملمح جماعي لتشارك فيها جوقة من المغنين الانفراديين‏,‏ وهذا الملمح الشائع لدي شعوب وكيانات الجزيرة العربية شمالا وجنوبا بالاضافة إلي دول الخليج في الحكاية الشعبية وأنماطها أو تركة السير والملاحم التي تشكل وجدانا متواحدا لأمتنا من المحيط إلي الخليج‏.‏ والتي قد يصل طول بعضها إلي عشرات الآلاف من الصفحات الهلالية‏,‏ والزير سالم والأميرة ذات الهمة ــ‏23‏ ألف صفحة ــ وهكذا ـ وطبعا لا يقتصر أمد المأثورات الشعبية العربية علي الفنون القولية أو الشفهية‏,‏ وكذلك التعبيرية من رقص وموسيقي ومسرح مرتجل وانشاد‏,‏ بل يشكل أيضا الصناعات اليدوية والحرف التقليدية من الابرة حتي الصاروخ‏..‏ وما يهمنا هو الممارسات والسلوك اليومي تحت تأثير العادة والتوارث الذي لايزال يواصل توالده الذاتي من أنماط وقنوات تراثنا العربي المتواتر منذ عصور ما قبل العلم والعقل‏.‏
ولعل أبسط هذه التحولات التي ازدحم بها عالمنا العربي هنا هو التحول البترولي الرأسمالي ــ الذي لا يستقيم أبدا مع محاولات طبع الماضي علي الحاضر‏.‏ إنه من المفيد إعادة تفهم واقعنا والوقوف علي حقيقة متناقضاتنا بنفس النهج الذي حققته المجتمعات الصناعية ومافوق الصناعية‏.‏ دون الاغراق في صدي الماضي ـ بسحره وجاذبيته الخارقة مثلا في المأثورات والممارسات والمقولات الفولكلورية والأساطير أو بمعني تأصيل الحاضر بخلفية الماضي‏.‏ حيث مولد الحضارات المصرية الفرعونية والسومرية التي توارثتها الشعوب السامية ــ اللغوية ــ فيما بين الرافدين التي اكتملت اليوم في العربية والعبرية واعتراف بأنه تراث شديد الثراء متدفق ذلك الذي ابدعته مخيلة تلك القبائل السالفة القديمة‏,‏ وهي بالطبع تلك النظرة المثالية التي صاحبت مولد الفولكلور وملازمته للطموحات القومية‏.‏

قضايا و اراء: جريدة الأهرام المصرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق