الأحد، 28 مارس، 2010

عجيب وغريب .. نص مسرحى لخيال الظل


عجيب وغريب .. نص مسرحى لخيال الظل

هذا النص المسرحى أو البابه كما كانت تسمى فى عصرها وهونص للأديب المسرحى المصرى الشيخ شمس الدين بن عبد الله ين محمد بن دنيال ( ت " 710 ه ) 1311 م .

ويذكر أن ابن دنيال كان طبيبا متخصصا فى طب العيون وشاعرا من طلائع شعراء القرن الثالث عشر ، وكان فنانا مسرحيا شعبيا متجولا ، له دوره النقدى الثورى والتحريضى ، اذا أن مسرحياته ذات طابع اجتماعى ساتيرى ( نقدى ) .

عاش بن دنيال فى عصر البطل الشعبى المصرى المحرر الظاهر بيبرس البند قرارى .

والنص يتضمن قدرات ثورية انتقادية من خلال هذا الفن الشعبى المصرى ، ويستخدم كل الأدوات التعبرية من مسرحية لغوية ما بين شعر هجائى ، ونثر شعبى أو دارج ، متناولا وصف وفضح الحياة المصرية فى الشوارع والأسواق ليقدم من خلاله شرائح نمطية لحياة الشعب المصرى

بابة غريب وعجيب فهي تقدم لنا وثيقةً تاريخيةً وشهادةً ماديةً، إذ أنها تصور جانباً اجتماعياً في ذلك العصر. فهي مؤلفة من مقاطع صغيرة، كل مقطع يتناول مهنة من المهن الشعبية السائدة في ذلك الزمان، إذ يتقدم صاحبها ويصف مهنته ومكانته الاجتماعية، ثم يذهب ويدخل آخر وهكذا دواليك، ويبلغ عدد المهن المذكورة خمساً وعشرين مهنة. وفي بعض المخطوطات يصل عددها إلى سبع وعشرين.

ولقد وصف شمس الدين عدداً من المهن الطبية في ذلك الزمان أو القريبة منها، ثلاثة منها طبية، وهي :

1. بائع المعاجين الطبية.

2. بائع الأعشاب الطبية.

3. الجرائحي.

واثنتان قريبتان منها، وهما :

1. لاعب الحيات وشافي لسعاتها.

2. بائع الأحجبة والحروز.

وأول شخصية من البابة هو غريب الذي يقدم مونولوجاً غريباً جداً؛ إذ أنه ينشد فيه قصيدةً يسرد علينا فيها حياته، (ولعلها حياة الحكيم شمس الدين نفسه)، فيقول كيف أنه كان يحب الشراب والمجون، ثم أصبح عالماً وصار فقيهاً وشاعراً، إلى أن يقول :

وطبَّبتُ الأنام فكم من أناس قتلتهم بقبض إسهال

وداويتُ العيون فكم جفون بكُحلي لم تنم مدى الليالي

وفي الأعشاب والأسلوب علِمي له البيطار(10) يُصفع بالنعال.

>ثم يدخل بعده حويس الحاوي، أي الحاوي الذي يربي الثعابين ويستخرج منها الأدوية ويعالج الملسوع<. وفي كلام أهل هذه الصنائع الطبية كلهم، نرى الحكيم شمس الدين يدلي بمعلومات طبية صحيحة ويذكر أسماء مشاهير الأطباء من يونان ورومان وعرب، أمثال ابن البيطار، وأندروماخوس، وديسقوريدس. ويذكر أسماء أدوية مختلفة مستقاة من أقراباذينات تلك الأيام. ويبدأ حويس فيغني بضعة أبيات من الشعر تدل على صنعته، ولعل الحكيم شمس الدين أخذها من فم هؤلاء الباعة الذين كانوا يتغنون بها في الأسواق لجلب الناس إليهم فيتحلقون حولهم، ومن ثم يذكر لهم أخطار الثعابين حتى يقول : "فسبحان الذي قهرها (أي الثعابين) بهذا الترياق، وشهر به فضل أندروماخوس في الآفاق"، (ثم ينفخ حُقَّ الترياق على يديه، وإذا فتحه يرفعه ويشير إليه، ويقدم وصفة طبية طويلة محيرة لكنها مقنعة، إذا تخيلنا أن النظارة كانوا من عامة الناس وجهلتهم).

ويعقبه بعد انصرافه عسيلة المعاجيني. وربما اختار الحكيم شمس الدين له هذا الاسم (عسيلة) اشتقاقاً من العسل الذي كان يستعمل بكثرة في تحضير المراهم الجلدية والعينية أيضاً. أما اسم المعاجيني فلأنه اختصاصي في تحضير المعاجين المختلفة التي كانت تستعمل مضغاً وبلعاً على شكل أقراص، أو تطبق على المكان المريض فوق الجلد، أو كمرهم للآفات الجلدية.

ويروي عسيلة ثلاثة أبيات من الشعر، يروي فيها أنه يداوي المصاب بالحموضة في معدته، والحصاة في كليته، والمصاب بالقولنج والإيلاوس، والمنحصر بوله. ولكل داء من هذه الأدواء دواء عند عسيلة المعاجيني.

وبعده يدخل نباته العشاب (ومن ألقاب ابن البيطار الشهير: النباتي والعشاب)، فيقدم نفسه دون غناء أو إنشاد، مدعياً أنه "خليفة ديسقوريدس وسبط ابن البيطار"، ويستمر في سرد أنواع الأعشاب الطبية، ولكن سرعان ما يبدو أنه دجال لأنه يدعي أن "هذه منها حبة، تقلب البغضاء محبة، وقيمة الدرة منها درة، أين الذي جفاه معشوقه ؟ وغضب عليه مولاه وصديقه ؟ أو غضب عليه السلطان، أو تخبطه الشيطان ... هذا دواء المصروع والمجنون، هذا لإخراج الجنين والمسجون ..." . وينهي كلامه بالشعر، ويخرج.

ثم يدخل خلفه مباشرةً مقدام الآسي، وسميه صاحب المباضع والمواسي. وأعتقد أنه الجرائحي، فاسمه مقدام؛ أي المتهور الذي لا يتردد في الإقدام على القيام بمداخلات جراحية ذات نهاية مؤسفة، ويدعي أنه أيضاً قدّاح. وفي هذه الفقرة نلمس تأثير اختصاص الحكيم شمس الدين، وخاصةً عندما يذكر مقدام الأدوات الجراحية التي يستعملها.

وثمة شخصية غريبة وهي شمعون المشعوذ، الذي يقوم بألعاب سحرية، قوامها طبل وجرذان وعصافير وحيات ... إلخ. ولا بد أنه يرمز إلى شخصية الطبيب الساحر الذي تعرفه القبائل الإفريقية اليوم، بل حتى بعض البلاد العربية كالمغرب مثلاً. وإذا أراد أحدكم مثلاً أن يرى بأم عينه هؤلاء الناس فما عليه إلا أن يذهب إلى مدينة مراكش ويزور يوم الجمعة ساحةجامع الفنا المشهورة حيث يرى مرقص القرود والثعابين، بل باستطاعته أن يرى الدكاكين وقد احتوت على الكثير من الأدوية القديمة، وقد زرتها مراراً.

ومن الشخصيات القريبة من الطب شخصية جراح المغبل الذي ينشد حين دخوله ثلاثة أبيات من الشعر. ثم يدعي أنه طبيب بيطري، إذ يقول : "اعتماداً على هذا الدواء المدّخر المشكور، لمن عنده فرس معقور، أو حمار مكسور ...".

ولقد اهتم علي بن رضوان(11) بأمر هؤلاء المشعوذين، على اعتبار أنه كان رئيس أطباء مصر، ويبدو أن الذي دفعه إلى الاهتمام بهم هو : "تساهل الملوك في السياسة فأهملوا أمر الرعية فكثر الفساد في الغاية"، فانحطت المهنة وكثر الدجالون. ويذكر عدة أمثلة على ذلك : "إني رأيت رجلاً بمدينة مصر ما قرأ قط، ولا حرفاً، ولا ملك كتاباً، وكان له باسم الطب تكسب صالح، وكان يخدع العامة بأن يأخذ بيده قارورة البول فيحركها، وهو ناظر إلى القارورة، فيوهم العوام أن كلامه على أشياء رآها في القارورة يكاد البول يميل إليه. ورأيت آخر يوهم العوام إذا دخل على مريض أن مرضه ذلك ما رأى إما أقل وإما أكثر، فإنه كان الزمان الذي بدله أبعد من عمره. قال : حدثني أبي أنه رأى هذا المرض في السنة الفلانية. وإني أذكر أني كنت متوجهاً أفتقد عليلاً فسألني قوم أن أنزل إليهم وأبصر عليلهم فنزلت، فلما أبصرت عليلهم رأيته قد جلله عرق الموت ولم يبق بينه وبين الموت إلا نصف ساعة، فما شعرت حتى سمعت جلبة وقعقعة ثياب هذا المتطبب، فلما دخل وجلس إلى جانبي ومد يده إلى العليل فرأى يده قد بردت والعرق قد جلله التفت إليَّ وإلى أهل المريض، وقال لهم أن أبشروا فقد برأ هذا العليل، وبعد نصف ساعة يهدأ هدوءاً تاماً لا يحتاج فيه لا إلى دواء ولا إلى علاج. ولما أخذ دواةً وورقةً وأخذ يكتب له نسخةً طويلةً، قمت أنا وانصرفت ثم جعلت رجعتي على منزله لأتحقق من موته فسمعت الصراخ والبكاء عليه، وقالوا : هذه الساعة مات".

المرجع : موسوعة الفلكلور والأساطير العربية شوقى عبد الحكيم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق