الاثنين، 12 أكتوبر، 2009

عنترة بن شداد ..بين الثقافة السائدة والمرجوة

عنترة بن شداد .. بين الثقافة السائدة والمرجوة

} ماقيمة أن ينتصر قومى أو ينهزمون ، اننى عبد هنا أو هناك {

عنترة بن شداد

سيرة عنترة بن شداد ، هى أول السير التى تواجه فيها أول ما تواجه قضية التحرر الانسانى العربى على مستوى الذات الفردية ، إذا شئنا تحرير الذات الانسانية من كل نير طبقى واجتماعي ، وتحرير الذات الجماعية العامة ، وهى القضية التى طرحتها أقدم ملحمة لدينا ، هى سيرة عنترة بن شداد التى تتمحور حول قضية حرية الفرد التى افتقدها – ولازال – بشكل مغاير المواطن العربى ، مما يعنى أن السيرة تنادى بقيمة الحرية ، وحرية الفرد وحقوقها فى الثقافة العربية على مستوى الفرد والجماعة .

وجوهر القضية فى السيرة ( 4000 صفحة ) تكمن فى الحرية لتأكد أن البشر سواء ، بغض النظر عن ألوانهم وأصولهم العرقية والدينية ، ولم تكن هذه القضية كما هو الحال فى السير الأخرى – مجرد قضية فرعية -أو مرحلية تنتهى باعتراف الجماعة بالبطل الملحمى ، وينتهى حين إذ عامل التوتر والصراع بين البطل و جماعته ، لكن فى هذه السيرة سوف يظل الصراع والتوتر قائمين طوال السيرة بين الثقافة السائدة والثقافة المرجوة أي بين عنترة ومطلبه الاعتراف بحريته ونسبه بصرف النظر عن لونه او عرقه ، وبين قومه الذين ينكرون عليه ذلك .

وتكمن عبقرية راوى السيرة – ذلك المجهول – فى إظهار هذا الصراع على طول السيرة وفى مواضع مختلفة ، فهو حر- أى عنترة - حين يحتجون إليه وعبد.. كلما لاحت لهم بادرة الاستغناء عنه ، وهى إشارة عبقرية لتحقيق قيمة الحرية والتأكيد عليها

وقد نرى هذا الصراع أيضا يلقى بظلاله على الأبطال المعاصرين من رواد وزعماء ساهموا بالتجديد والتنوير فى المجتمع العربى وحققوا له العدالة والخروج به من براثن الجهل والتفتت الى العدالة الاجتماعية والنداء الوحدوى ومناهضة الظلم ، فيتهموا بالديكتاتورية والحكم الفردى ونتناسى أفضالهم كلما استغنينا عنهم ، ونرفع صورهم رمز للمقاومة ورفع الظلم فى أوقات الحروب والمعارك وهو أمر يحتاج الى الدراسة والفهم طرحته هذه السيرة الموغلة فى التاريخ .

ولعل جمهور السيرة يعرف جيدا أن عنترة قبل تحريره ظل يحقق لقبيلته الأمجاد والبطولات ، ويحرز لهم الغنائم حتى اغتنى بنى عبس بسيفه لا بسيف غيره
" غنى لا فقر بعده" على حد تعبير السيرة ، وبالرغم من ذلك فان السادة ، فى ظل التركيبة الاجتماعية العامة والثقافة السائدة لم يشاءوا أن يحققوا لهذا الفتى الطامح الى الحرية سوى مزيد من القهر والعبودية ، فحين كان عنترة العبسى يرى فى الاعتراف بنسبه ونيل حريته الفردية أبسط حقوقه الاجتماعية والإنسانية

وتستمر الملحمة على لسان المبدع الشعبى – هذا العبقرى المجهول – والذى يعلم ان الحرية لا توهب وان البطل الحقيقى يظل ايجابي وعليه أن يسعى ليغير الثقافة السائدة حتى يتسنى له الالتحام مع مجتمعه ويظل رابط بطله فى السيرة بسادته الذين جحدوه ، ولا ينسلخ منهم ثم يأتى الصدام ( الثقافى ) بظهور عبلة بنت عمه رمز الانتماء والتجديد والثقافة المرجوة ومن خلال هذه العلاقة يعلن عنترة المهادنة ، ولكن الى حين ، فيلزم موضعه بين العبيد والرقيق من القبيلة ويقول قولته المشهورة التى جسدت سلبيته والتى تداهم الشعوب أبان المحن

" ماقيمة أن ينتصر قومى أو ينهزمون ، اننى عبد هنا أو هناك "

وهذه المقولة تلقى بظلالها على كثير من الثقافة العربية السائدة الى يومنا هذا وتعبر عن السلبية المقيتة التى تعمل داخل النفس لشعورها بالظلم والدونية وترمز للضياع الانسانى للفرد والجماعة والهزيمة النفسية للشعوب نتيجة قهرها على طول الخط من تزوير للإرادة وعدم تداول السلطة .

ونعرف بعد ذلك من خلال السيرة ، أن عنترة يخوض الحرب مع قبيلة ليحرز النصر لها ويوافقون على قرانه من ابنة عمه عبلة ويتعرفون بنسبه وحريته .

ومن هنا يتضح لنا ان المجتمع الشعبى الذى أنشأ السيرة وتذوقها قد وضع معيار اجتماعي ثقافى يحدد مفهوم الحرية ومعنى التحرر ، غير معتبر لصدفة اللون والعرق أوالطبقة التى ينتمى إليها الفرد ، وهى القياسات التقليدية للمفاضلة بين الناس فى المجتمع الجاهلى قبل الإسلام .

المرجع : محمد رجب النجار : الأدب الملحمى فى التراث الشعبى العربى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق