الأربعاء، 6 مايو، 2015

جدلية الدين والوطن .. فى الوطن العربى " حالة تطبيقية - مصر " محمد يوسف " 1 "


جدلية الدين والوطن .. فى الوطن العربى " حالة تطبيقية - مصر " محمد يوسف " 1 "


1 ) الوطـن والديـن ، عـنصران دار ـ ويـدور ـ بينهما جـدل منذ أن اكـتـشف الإنسان الوطن فى فجـر التاريخ الباكر ، ومنـذ أن اكـتـشـف ذات الإنسان بعـد ذلك الديـن ، يوم أن تولـد لـديه شعـور بحاجتة الى قـوة أكـبر منه يلجـأ اليـها لتحميه ، أو لـتعـينه فى مواجهة مشاكـل واقعـية يحـياها .. وفى سـياق هـذا المنطوق لتـلك الجدلية ، فـإذا كان الوطن هو العـنصر الواقـعى والملموس والثابـت ، فـإن الديـن هو العنصر العـقيدى والمعـنوى والمتحـرك ..
والظـاهرة الدينية عـند العـرب ظاهرة قـديمة قـدم تاريخهم ، فـقـد كانت لهم ديانات على امتداد ذلـك التاريـخ القـديم ، وقـد ورد فى القـرآن الكـريم أسماء عـدداً من الرسـل الذين أرسل كـل منهم الى قبـيـلته ( قـومه ) ليدعـو أفـرادها الى عـبادة الله والإيمان بـه .. ومن ثـم وردت اسـماء نـوح وهـود وصالح وشعـيب ، الى أن جـاء موسى الذى أرسل الى بنى اسرائيل ( قـومه ) بنفس الدعـوة .. وزاد اتساع وحجم هـذه الدائرة الديـنية بـظهور عـيـسى عـليه السلام ، الذى مهـد الطريـق أمام دعـوة أعـم وأشـمل ، وموجهة الى البشرية كـلها ، وهى الدعـوة الإسلامية التى جاءت بقـيم جـديدة أثـرت تأثيراً إيجابياً وجذرياً فى الحياة الواقعـية المعاشة للإنسان فى شـبه الجزيرة العـربية ، ورفـضت العـصبية القبلية ، ورفعـت فـكرة " الأمة " فوق فكـرة " القبـيلة " ودفعـت فى اتجاه الوحـدة على أنقـاض التجزئة ، وجاءت بمفهوم " الشريعـة " بـدلاً من " العـرف القـبلى " ، وحاربت الإستغلال ، وانـتصرت للعدالة الإجتماعية ، وقـد انتـقـلت هذه القـيم الإنسانية العـليا الشاملة بالإسلام وتمددت معـه الى كل مكان وصل اليه . .
كـما أن الظاهرة الديـنية عـند المصريين ، كانت كـذلك قـديمة قـدم تاريخهم ، وعاشـت معـهم وعاشـوا معـها ، حتى أنها كانت الأقـوى تأثـيراً فى صياغة وتشكـيل وقائع هـذا التاريخ القـديم الطـويل كـله .
والمؤكـد أن الخـاصية الديـنية التاريخية التى يتـفـرد بها " الوطن " العـربى على كل بقـاع الأرض التى نعيش عـليها وفـيها جماعات بشرية أخـرى .. هى أنه على أرض هـذه الجماعة البشرية العـربية التى تمتـد وتـتمدد من المحيط الأطلسى الى الخليج العربى ( الوطن العـربى ) ، نـزلت الأديان السماوية الثلاث : الدين اليهودي والدين المسيحى والدين الإسلامى بالترتـيب ، وكان مبلغيها وأتباعها ومناصريها الأوَل هم العـرب ، كما وٌلـد على هذه الأرض ، وعـاش عـليها ، ومات ودفـن فـيها كل الإنبـياء والرسل بدون استـثـناء .. ومن ثـم توجـد على هذه الأرض كل المواقع والآثـار التى تحظى باهتمام وتـقـديس رفـيـع ومَهـيب ، سـواء من جانب أتـباع هذه الأديـان الثلاثة المؤمنون بها ، أو من جانب ملايين آخـرين غيرهم من سكان الأرض يتعاطفـون مع هذه الأديان ويتـفهمونها ويتوقون لاستعادة تاريخها ، لـما يتـضمنه تاريـخ هـذه الأديان والمواقع والآثـار من ذكـريات وايحاءات ودلالات
( 2 )
معـنوية وعـقـيدية رفـيعـة وراقـية .. والمؤكـد أيضاً أن أرض هـذا " الوطن " العـربى ظـلت معالمها الجغـرافية ثابـتة ، فـظلت طوال كل هذا التاريخ وحـدة جغـرافية واحـدة ، تسكـنها جـماعة بشرية واحـدة هى الجماعة البشرية العـربية .. هــذا من ناحـية .
ومن الناحـية الثـانية .. أن مصر التى هى أقـدم وأكـبر أجـزاء هـذا " الوطن " العـربى ، بـل والتى شـيدت على أرضها أقـدم حضارة فى التاريـخ الإنسانى كـله ، كانت مصر تـلك هى الإجتماع الإنسانى الأول الذى " اكتـشـف " الديـن ، سـواء بمعـناه الأول والبـدائى الذى يـتمثـل فى الخضوع الكامل والإنصياع المبهم للظواهـر الطبيعـية ، وللخـرافات ، وللقـوة المادية أو المعـنوية القاهـرة أيـاً كان مسماها ، تـلك التى يقـف الإنسان أمامها عاجـزاً وغـير قـادر على مواجهـتها ولا هـو مدرك لأسبابها ، فـيسارع الى اللجـوء إلـيها ، إما تعَـبٌداً ، وإما اتـقـاءً وتـفادياً لقـوتها التى لا قـبل له بها ، كما كان يعـتـقد .. وفى تـلك المرحلة ، كان الإنسان هـو الذى " يـصنع " بيـديه بعـضـاً من الآلهة التى يعـبدها ( غـير الظواهـر الطبيعـية الشاملة كالأعاصير والزلازل والفيضانات ) من خـامات الطبيعة التى تحـيط بـه ، سـواء كانت أحجاراً أو أخشاباً أو معـادناً أو غـيرها .. وتـلك هى المرحـلة التى تـسمى فى تاريـخ التـديـن الإنسانى بمرحـلة " تعـدد الآلـهة " ..
أو سـواء اكـتـشـف الإجتماع الإنسانى الديـن بمعـناه الصحيح والشامل الذى يتمثـل فى الإيمان بوجـود قـوة واحـدة فى الكـون كـله قابضة على كل شىء ، تـتمثـل فى إلـه واحـد هو مصدر كـل شـىء ، وهـذا " الإلـه " منحـاز للإنسان وحافـظ لأمـنه ولحـريـته ولطمـوحه ، ودافـعـاً له عـلى السـعى الإيجابى فى الحـياة .. وأن مصـيـر هـذا الإنسان فى الـنهـاية سـيكـون أمام هـذا الإلـه ، ليحـاسـبه ثـواباً وعـقـاباً عـلى ما قـدمه ـ سـلباً أو إيجاباً ـ طـوال فـتـرة وجـوده حـيـاً عـلى الأرض ، منـذ أن قـدم الـيها بالمـيلاد الى أن رحـل عـنها بالمـوت ..
وقـد استـقـر ذلك المفهـوم الديـنى الشامل وأصبح عـبادة وتعـبداً فى مصر القـديمة لأول مـرة فى تاريـخ البـشرية ، منـذ أن نـادى " أمنحـتب الرابع " ( الأسـرة الـثامنة عـشرة ) المعـروف فى التاريـخ باسـم " إخـناتون " ( 1375 ـ 1358 ق . م ) بعـدم عـبادة الإلـه " آمـون " ، الـذى كان واحـداً من الآلهـة المتعـددة التى كانت تعـبد فى زمنه ، وكـان أشهـرها .. ونـادى اخناتـون بعـبادة الإلـه " آتـون " الـذى يمثـل " روح الشمس " ، حسـبما كان يعـتـقـد .. كـما أن " اخـناتون " كان شـديد الإهـتمام بالعـقـائد الديـنية وبالبحث والتغـلغـل فـيها ، ودائـم التـفكـير والتعـمق فى الفـلسفة الخـيالية ، فانقطع لتحـقيـق وتحـليل مقـولات هذه العقائد والنـظر فى أصولها وفروعها .. كما قـد شٌـغـل طوال حياته بالسعى وراء توحـيد الديانة المصرية ، وحـمل الأمة على عـبادة معـبود واحد هو " روح الشـمس "
( 3 )
آتـون ، وكان المصريون قـد عـبدوا من البـداية الى زمن حكمه آلـهة متعـددة كما قـلنا ، كان أهمها ـ عـند توليه عـرش الحكم ـ وأكـثرها أتـباعاً وكهـنة ومعـابداً ، الإله " آمـون " .. وقـد أدرك اخـناتـون خـطـأ تعـدد الآلهه هـذا ، واعـتـقـد ـ كما ذكـرنا ـ بوجـود إلـه واحـد مسـيطـر عـلى العـالم بأسـره ، وقـال إن هـذا الإلـه هـو " روح الشمس " التى تـتوقـف عـليها حـياة كـل الموجـودات فى الكون ، وأطـلق عـليه اسـم " آتـون " .. ولشـدة رغـبته فى نـشـر مذهـبه ونسـخ ما عـداه من المذاهـب ، فـقـد نقـل عاصمة البلاد من " طـيـبة " الموطن التاريخى لعـبادة الإلـه " آمون " ، وبنى لمعـبوده الإلـه " آتـون " عاصمة جـديدة أسماها " أخـيتـاتـون " وموقـعها الآن مديـنة " تـل العـمارنة " بجـنوب مصـر ، وهى نفـس المكان الذى تـم الكـشف فـيه عن تمثال رأس " نـفرتـيتى " منـذ مائة عـام ( 1913 ) .. ولـمـا رأى إخـناتـون أن اسـم " آمـون " منـدمـج فى اسـم " أميـنحـتب " ، غـيـر اسـمه هـو الى " اخـناتـون " ومعـناه " روح آتـون " تـقـرباً لمعـبوده آتـون ، وحـبـاً لـه ، وتعـبـداً ..
ولـكن كـهنة " آمـون " أنكـروا أفـكار " إخـناتون " وقـاوموها بشـدة ، بـل وحـرضوا الشعـب عـلى رفضها وعـدم الإنسياق ورائها ، لأن هذه الأفـكار إنما تـقـضى على سيطرتهم وسطوتهم " الديـنية " عـلى الشعـب ، وتخـل بمكانـتهم الروحية عـند الجماهـير باسم " آمـون " ، كما كانت تـضر ضرراً مباشراً بالعـديد من المصالح والمزايا والإستـثـناءات الخاصة والشخصية التى كانوا يحصلون عـليها من أفـراد هذا الشعـب لمجـرد أنهم " كـهنة آمون " ، وباعـتبارهم الواسطة الحـاكمة والحـاسمة بيـن أفـراد هـذا الشعـب وبيـن الإلـه الذى يعـبدونه ، وبـدونهم ( الكـهنة ) فـإن غضب الإلـه المعـبود " آمـون " سيحـل على أفـراد الشعـب الخاضعـين لسطوة الكهنة .. كما كان الكهنة يروجون لذلك .
وفى السياق ، فـإنه بسبب هذه السطوة ، حـدث بعـد وفـاة " رمسـيس الثانى عـشر " سنة 1090 ق . م أن خـلفه فى الحكـم كـبـير الكهـنة " حَرحٌـور " ملكاً على الصعـيد ، ليـس لكـفاءة أو لسبب من الأسباب الطبيعـية لـتولى الحكم فى ذلك الزمن ، مثـل الوراثة بالإنحـدار من أســرة حاكـمة ، أو مثل الإستـيلاء على الحكـم بالـقـوة ، أو غـير ذلـك ، ولكـن " حَـرحٌـور " اسـتولى عـلى الحـكم وتمركز فـيه بسـطوة التـأثـير " الديـنى " وسـطوة المكانة التى كانـت لـه كـكـبير للكـهنة .. تـماماً كـما فعـل كـهنة " رع " أو " أون " ( عـيـن شـمس ) فى أوائل عهـد الأسـرة الرابعـة ( 3000 ق . م ) والذين كانوا قـد اكـتسبوا جانباً عـظيماً من السلطة السياسية بسبب السطوة الديـنية المماثـلة ، الأمر الذى ترتب عـليه استـئـثـارهم بسلـطة الحـكم والسيطرة عـليه لنحـو مائة وثلاثـين سنة متصلة ، كـما تمكنوا من أسقـاط الأسـرة الرابعة ، وتـأسيس الأسـرة الخامسة التى كان كـل ملوكـها من الكـهـنة ..
وفى السيـاق أيضاً ، فـقـد اسـتمرت مقـاومة كـهنة آمون لإخناتون ولأفـكاره بشكل لا هـوادة فـيه ، الى درجة أنهـم أسـموا " توت عـنخ آمون ( زوج ابـنة اخـناتون والذى خـلفه فى الحـكم ) بهـذا الإسـم ، بـدلاً من اسـمه الحقـيقى " تـوت عـنخ آتـون " ، تمسكاً منهم بمسمى " آمـون " ، واستـنكـاراً منهم لمسمى " آتـون " وتـشفيـاً فى اخـناتون نفـسه وإلهـه الواحـد ( لايـزال اسـمه الأول والحقيقى " تـوت عـنخ آتـون " منقـوشـاً على أحـد جانبى عـرشه الذهـبى المبهر والمعـروض حالياً بـدار الآثـار المصرية بميـدان التحريـر بالقـاهـرة ) .. وقـد دفـع توغـل كهنة " آمـون " فى هـذا العـداء لإخـناتون ، بأخـتـه لأن تـقـص شعـرها ( عـادة مصرية قـديمة تمارس فى حالات الحـزن البالغ والـناقـع والموجـع ) وتجـوب مصر دفـاعاً عـن أخـيها وعـن إلـهه " آتـون " ، واسـتمر هـذا الحال الى أن مـات " إخـناتون " وماتـت أخـتـه ..
حـدث ذلـك فى مصـر القـديمة قـبل ميـلاد أبى الأنبـياء ابـراهيم بألـف وخمسمائة سـنة عـلى الأقـل ، وقـبل نـزول أولى الرسالات السماوية الثـلاث على البشـرية ، بأكـثر من ألـفـين وخـمسمائة ســنة على الأقــل ..
لـيـس هـذا فـقط ، وإنـما " فجـر الضميـر " الإنسانى كان قـد بـزغ ، أول ما بـزغ ، فى مصـر القـديمة أيضـاً ، كما يقـول المؤرخ الإنجـليزى " هـنرى بريـستـد " فى كـتابه الهـام بنـفس العـنوان .. الضمـير الذى بـزغ فى مصر وتحـدث عـنه بريستـيد ، جـاء بمعـنى التـفريـق بين الصحيح والخـطأ ، وبين ما يجـوز وما لا يجـوز ، وبين السلـبى والإيجابى ، وبين الهـدم والبناء .. وبمعـنى كـلى شامل ، فـإن مضمون الضمير ومحـتواه فى مصر القـديمة ، كان مطابقـاً فى النهـاية ، فى المعـنى ، لـما يســود اليـوم فى عـقـائـدنا وفى ثـقـافـتـنا الديـنية ، والـذى نـسـميه " الحـلال والحـرام " .
ومـع مـرور الـزمن ، وتــنوع وتعـدد وتعـقـد مشاكـل الإجـتماع الإنسانى ، وما حـدث من تـفرق واختـلاف وتـشابـك المصالح والإحتياجات الإجتماعية الخاصة والعامة وتباينها .. تعـددت الرؤى والأفـكار والمعتـقـدات ، وتـنوعت الولاءات والإنتماءات ، ومن ثـم ظهرت الإجتهادات والمذاهـب والعـقـائد المتبايـنة حتى داخـل الدين الواحـد .. وتعـقـدت ظاهـرة الإثـنية المذهبـية والعـقـائدية حتى ألحـقـت بها إثـنيات أخـرى قـبلـية وعـشـائرية وجـغـرافـية ( مناطـقية ) ، إضـافة الى إثـنيات تـنحاز حـتى الى العـرق والى اللـون ... وهــــكذا .
ومن ثـم ، كانت أبـرز الـقسمات المميـزة لأزمان الـتـيه والإخـتلال والـتراجع ، هى التـمتـرس داخـل حـدود شرنـقـة العـرق أو المذهـب أوالـديـن ، الى حـد الخلاف والإخـتلاف والصراع ، والى حـد المتاجـرة بهـذا كـله ، بـل والمتاجـرة بالوطـن ذاتـه عـند اللـزوم ..
وفى السـياق ، فـقـد شـهد هـذا الوطن العـربى وجـود أقـليات عـرقـية وعنصرية ، مثـل الأكـراد ( صلاح الديـن الأيـوبى من أصول كـردية ، لكـنه مواطن عـراقى مولـود فى مدينة " تـكريـت " العراقـية ) والعـلويـين فى شـرق الوطن ، والأمازيغ فى شماله الغـربى .. وأيضـاً شـهد الوطن العـربى إثـنيات مذهبـية متعـددة مثـل السـنة والشـيعة ، والوهـابيـين ، والإخـوان المسلمين ، والسلـفيـين ، والأرثـوذوكس والكاثـوليك والبروتستـانت .. وفى هـذا الصـدد ، فـإننا نـؤكـد ـ من الأساس ـ ذلك المصير الفاشـل والحـتمى الذى ينتـظر أى تعـصب ينطلـق من الديـن أو المذهب أو العـرق ، لإرهاب المنـتمين الى أديـان ومذاهـب وأعـراق أخـرى ، أو حـتى لإنكارهم أو استـنكارهم ، ذلك لأن التاريخ والمنطـق يـرفضان أى جـور بـأى شكـل وبـأى مضمـون على الحـقيقة التى تـقول : " إن الوطـن وجـد قـبل الديـن " ، أوعـلى الحقيقة الثـانية الداعـمة لهـا والتى تـقول : " إن الديـن لله والوطـن للجميـع " .. وفى تـقـديرنا فـإن هاتـان الحقيـقـتـان ترتكـزان عـلى المحاور الخمسة التــالية :
المحـور الأول .. هـو أن الإنسان كان له وطن قـبل أن يتـديـن ، ومن ثـم فـإن الإرتـباط بالوطـن قـد سبـق الإرتـباط بالديـن بنحـو مـائة ألـف سـنة عـلى الأقـل ( هـناك حـفريات عٌـثـر عـليها فى الواحـات البحرية بصحـراء مصـر الغـربية ، تؤكـد علمياً ـ بتحليل الكـربون ـ أنـه منذ سـتة وتسعـين ألـف سنة كان يعـيش هـنا مواطن مصرى يـزرع ويـرعى الأغـنام ، التى وجـدت حفرياتها خـلف حفريته مربوطة بالحبال حتى لا تـتـفرق ، بمعـنى أنه كان هناك فى ذلك الزمن السحـيـق وطـن ، وكان يعـيش فيه مواطن وله بـيت وأسـرة ، وكان مستـقـراً يـزرع ويـرعى الأغـنام ، ويعـود بعـد الرعى بأغـنامه تمـشى وراءه مربـوطة بالحـبال الى بيـته فى أخـر الـنهار ، وهـذا هو نـفس ما يفـعـله أى فـلاح يعـيش فى مصر الآن : يـزرع ويـرعى الأغـنام ويعـود الى بـيته فى آخـر النهار وقـد ربطها بالحبال وراءه حتى لا تـتـفرق !! ) ..
وعلى مـدى التاريخ كله ، كان إبصار الإنسان وبصيرته قـد أدركا ولامسا الوطن كواقع على الأرض ، قـبل أن يدركا ويلامسا أى ديـن أو عـقيدة بأى مسمى ، وذلك حـين استـقـر فى أودية الأنهار ، وغـادر بذلك مرحلة " التـقـاط الطعـام " التى كان يتجول فـيها بين الأشجار والغابات كأى حـيوان باحثـاً عن طعامه ، ليدخـل بهـذا الإستـقـرار الى المرحلة التالية من تاريخه ، وهى مرحلة " صٌـنع الطعـام " ، وليكـتـشف بـذلك : الـزراعة ، والعـائلة ، والإجـتماع الإنسانى .. والوطــن .
وقـد حـدث ذلـك أول ما حـدث فى مصر القـديمة ، قـبل أن تكون هناك عـقـائد وأديـان بأى مسمى فى أى مكان آخـر على سطح الأرض ، بـل وحتى قـبل أن ينـبلـج " فـجـر الـضميـر " الإنسانى للبـشرية كـلها من مصر القـديمة أيضـاً ، كما أشـرنا الى ذلك من قـبـل .
بعـد أن حـدث ذلك الإستـقـرار ، لـم تـنغـلق أيـاً من الجماعات البشرية التى تكونت واستـقـرت فى سهـول ووديان الأنهار ( حـيث خصوبة الأرض الناتجة عن وفـرة المياه والأمطار ) عـلى نفـسها ، ولـم تٌـقـم أسواراً تمنع الإتصال والتواصل والإنصهار والتلاقـح بينها وبيـن غـيرها من الجماعات الأخـرى ، ولا كان ذلك ممكـنـاً على سطح الكـرة الأرضية كـله ، الذى هو فى النهاية مساحة مفتوحة بالكامل تسمح بالتـنقـل والإنتـقـال والإتصال والإستـقرار فى أى بقعة على تـلك المساحة المفـتوحة .. بـل إن هـذه العناصر تحـديـداً ( التـنقـل والإتصال والتواصل والإستـقرار والتلاقـح ) كانت هى التى شـيد عليها البناء الحـضارى للبشرية على مر التاريخ ، سـواء كان تـشيـيداً مادياً أنـتجه التواصل والتلاقـح بين العـلوم الطبيعية وتطبيقـاتها لـدى البشـر ، أو كان تـشيـيداً معـنوياً أنـتجه التواصل والتلاقح أيضاً بين الأنساق القيمية والأفـكار والثـقافات والفـنون والآداب والعقـائد والأديان ، سواء التى نزلت من السماء أو تلك التى أنتجها الإجـتهاد البشـرى .. وبصـفة عامة ، فـإن المصريين هم أول الجماعات البشرية التى " تـدينت " ، أى أول الجماعات التى امتـلكت عـقيدة دينية بالمعنى العـلمى والكامل والمحـدد ، كـما أوضحـنا من قـبل ..
وقـد تـتابعـت رسالات السماء بنـزول زمنى إيجـابى تـطورى من أجـل خـير الإنسان وهـدايته وحـثـه على " عـمارة الأرض " وتـلك هى الأهـداف العـليا للديـن ، أى ديـن ( فى الديـن الإسلامى مثلاً ، نـقول إن أسباب نـزول العـديد من الآيات فى القـرآن الكـريم كان يعكـس وجود مشكلة أو موقف أو احتياج واقعى محدد جاءت الآيات بشرحه وبـيان كيفية التصرف الصحيح والأمثل فيه ، كذلك يـثبت التـدرج فى النزول ، والنسخ ، بالإضافة الى اللغة والأمثـال والتـشبيهات المستعـملة ، وجـود علاقة وثـيـقة بيـن القـرآن وبيـن الواقع المعـاش ) ..
كـما كانت مصر طرفـاً فى كل من تـلك الديانات الثلاث ، بـل وقـبلها كانت طرفـاً فى كل العقـائد التى عـرفها الإنسان فى الوطن العـربى ، فقـد جاء الى مصر عـبر سيناء سـيدنا ابراهيم وزجته سارة وابن أخيه " لـوط " عام 1890 ق . م قادمون من العراق ، وأقام فـيها وتـزوج من " هاجـر " المصرية .. وعـلى أرضها تـلـقى مـوسى الرسالة من الله فى " الوادى المقـدس طوى " فى سيناء عام 1218 ق . م حيث تكونت فـيها الـنواة الأولى لأنصاره والمؤمنون برسالـته ، وقـد ولـد مـوسى بن عـمران عـليه السلام وعـاش فى مصـر ، كما أنه مـات فى مصر أيـضاً ولم تـطـأ قـدمه أرض فـلسطين طوال عـمره الذى بلغ مائة وعـشرين سـنة ، ومثـله يوسـف بن يعـقوب عليه السلام الذى جاء الى مصر عام 1780 ق . م حـيث " التـقطه بعـض السـيارة " وباعـوه الى عـزيز مصر ، وعـاش فى مصر وأصبح مسؤولاً عن مالـيتها ، واستـقـدم أبـيه وإخـوته " الأسباط " الأحد عشر من فلسطين ليعـيـشوا معـه فى مصر عام 1706 ق . م ، وتـزوج من فـتـاة مصـرية إسمها " أسـنـات " .. وأيوب الذى قـدم الى مصر عام 1300 ق . م ، وشعـيب الذى عاش بين أرض مدين وسيناء عام 1250 ق . م ، وعـلى أرض مصر أيضاً حـل المسـيح عـليه السلام مع أمـه مريـم العـذراء ويوسـف النجـار ، للإحتماء بالأمان الـذى كان فـيها هـرباً من ظـلم واضطهاد اليهـود لهـما ، وتربص الحاكـم الرومانى " بـيلاطس البـنطى " بهـما ، وأثـناء رحلـتهم التى جـابوا فيها مصر من الشمال الشرقى الى الجنوب ، فقـد أقـاموا تحت " شجـرة مريـم " ( ما زالت موجـودة بمنطقة المطرية بـشمال القاهـرة ) ، كـما أقـاموا بديـر " المحـرق " فى أسـيوط بجـنوب مصر ، وخرج عـيسى عليه السلام من مصر بعـد أن قضى بها سبعة عـشر عاماً فى أحضان العـقيدة ، خرج ليـبلغ رسالة الإنجـيل الى العالم .. ومن بناتها تـزوج محـمد بمارية القـبطية من مصر ، وأوصى الـنـبى ، عـليه الصلاة والسـلام ، بأهـلها خـيراً ووصف جـندها بأنـهم " خـير أجـناد الأرض " ، وبعـد أن اسـتـقـر الإسـلام فى مصـر ، تـمـدد بعـد ذلـك حـتى وصل الى أركـان الأرض الأربعــة .
ترتـيـباً عـلى ما تـقـدم ، فـإنه أمام حـقـيقة هـذا التواصل والإختلاط والتلاقـح الذى حـدث بين المجـتمعات الإنسـانية والذى ما زال يحدث حـتى الآن ، يصبح مستحـيلاً القطع بوجـود " نقـاء مطـلق " لأى عـنصر ، أو لأى جماعة بـشـرية ، أو لأى عـقيدة أو ديـن ، وهو ما يدحض الإدعاءات الصهيونية التى تـدعى نقـاء العنصر اليهـودى والديانة اليهـودية ، وتطالب بـدولة ديـنية " يهـودية " لهذا العـنصر اليهودى فى فـلسطين العـربية ( يقـول " تيودور هرتـزل " صاحب فـكرة وجـود وطن خاص باليهود عام 1897 : " لا التـوراة ولا الإنجيـل يعـطينا الحـق فى فـلسطين ، ولكـنا سنسعى جاهـدين للحصول على الوثـيـقة الشرعـية للحصول على فـلسطين ، ألا وهى اعـتراف الفـلسطينيـين بـأن فـلسطين هى أرض اسرائيـل " .. كما قـال عـام 1903 " لابـد أن نحصل على فـلسطيـن خالـية من سكـانها " ) ..
الحـقيقة الهامة ـ فى هذا الصـدد ـ الذى يجب أن نـتوقـف أمامها ، هـو أنه بالرغـم من ثـبات الهـياكـل الأساسـية المكـونة للجماعـات الـبشـرية المختـلـفة ، وثـبات العـناصر الأساسية المكونة لعقـائدها وأديانها على مـدى تاريخها ، فـإن تعايـشها جـنباً الى جـنب ، وتواصلها ، وتلاقحـها ، قـد جعـل " المشـترك الحـياتى العـام والمفتوح " هـو الذى صـاغ أنماط العلاقـات الحـياتـية اليـومية المتـبادلة بـيـنها ، ولـيس الذى صـاغ تـلك العلاقـات هـو ذلـك " الخـاص العـقـيدى الخاص والمحـدود " ..
ولقـد قـطع تـتالى نـزول الديـن اليهـودى أولاً ثـم الديـن المسـيحى ثانياً ثـم الديـن الإسلامى ثالثـاً ، بذلـك البعـد " التطويـرى التكاملى " الذى قـصدته إرادة الله سبحانه وتعالى من ذلك الـتراتب والتـتالى الزمـنى الإيجابى الذى أشـرنا الـيه .. وأن ذلك الـتكامل هو الذى منح البشرية القـدرة على الإنتـقال المتـتابع من مراحل تاريخية معـينة ، الى مراحل أكـثر تـقدماً .. حـين قـدمت الرسالة التالية للـناس اكـتمالاً كان ناقصاً ، وإجابات كانت منتظرة ، وارتـقاءً كان مطلوباً فى الـنسق القـيمى والأخلاقى ، ومن ثم العقـيدى .. لم يـنف هـذا الإكتمال الرسالة السابقة بالرسالة التالية لها ، وإنما انطلق من الأولى الى رحاب ما بعـدها .. وقـد حفـر بذلك الإنطلاق طريقاً للتـقدم وأضاء آفاقـاً للخلاص ، عـبـر تـقـديم حـلول أكـثـر نجـاعـة لمشاكـل كانت قـائـمة .. وأيضاً فـإن استمرار بقـاء هـذه الأديـان الـثلاثـة بقـسماتـها الأساسـية الخاصة ، وبقـاء معـتـنـقيـن وأتـباع و" كـهـنة " لهـا حـتى اليـوم ، إنـما يقـطع بأن أيـاً منها لـم يستحـوز على إيـمان " كـل البـشـر " على مدى التاريـخ الذى مضى ، بـل إن هـؤلاء البشـر بإجمالهم كان منهـم من امتـلك حـرية الإيمان بتـلك العـقـيدة أو ذلك الديـن ، كما كان منهم من امتـلك حـرية الإيمان بعـقـائد وأديان أخرى .. وكـل ذلـك حـدث داخـل المجتمع الواحـد ، وتحـت خـيمة الوطن الواحـد .. وفى هـذا السياق ، فـإن الحـقيـقة التى يتعـيـن أن تـقـف أمامها البشرية صامتـة منصتـة لهـا ومصدقـة بهـا ، هى أن " تغـيـير العـقـيدة أو الديـن لم يـؤد الى تغيـير الوطـن " ، ولا الى هـدم ثوابت الهـياكل الإجتماعية الأساسية التى شكـلتها وأرسـتها الجـماعات البـشرية التى استـقـرت فى " أوطـانها " ، باعـتبار ان الإنتماء الوطنى أو القومى هو انـتماء موضوعى لا يتوقـف وجوده ولا تـتوقف حقيقـته على إرادة أو رأى أحـد ، أو على رغباته ، إنه لـيس خـياراً سياسياً أو عـقائـدياً .. وإنما هو حـقـيقة موضوعـية .
المحـور الـثانى .. حـين دخـل الـرومان مصـر عـام 30 ق . م بقـيـادة الإمـبراطـور " أغـسطـس " ، كان اسمها " قـبـط " نسبة الى قـبط بن قـفط بن مصراييم ( الذى أخـذت مصر اسمها منـه ) بن بنصر بن حـام بن نـوح عـليه السلام ( بلغ عمره 950 سنة ) .. بـل إن إحـدى مـدن محافـظة " قــنا " بصعـيد مصر ما زالت تحمل حـتى اليـوم اسـم " قـفـط " وأهـلنا فى الصعـيد ينطقـونها " جـفـط " .. إذاً فـإن كلمة " قـبـط " إنما تـشير الى كل سكان مصر ، بغـض النـظر عن الديـن أو العـقـيدة .. ثـم كان أن أدخـل الرومان معـهم الـديانة المسيحـية الى مصر .. وكان طبيعـياً أن يتحول عـدد من المصريين الى الدين المسيحى الوافـد ، وأن يـبقى عـدد آخـر منهم على ما كانوا يعتـقـدون ، وأصبح عـدد الذين يعـتـنقون الديـن الجـديد : هو مجموع الذيـن اعتـنـقوا الديـن المسيحى من المواطنين المصريـين ، مضافاً إلـيهم عـدد أفـراد القوات الرومانية " المسيحـية " الذيـن كانـوا قـليلى العـدد قـياساً الى إجمالى سكـان مصر يـومها .. كما أن كـثيراً من هـؤلاء " الرومان " استوطـنوا مصر واستـقـروا نهائـياً فـيها ولـم يعـودوا الى روما ، وما زالـت فى مصر ـ حـتى الآن ـ طائفة من المصريـين تـسمى طائـفة " الـروم الكاثولـيك " التى لها طقـوسها وتقـاليدها وكـنيستها الخـاصة .. بـل وحـتى لها مقـابرها الخـاصة .
ومـن هـنا اعـتٌبر كـل المصريين الموجوديـن عـلى أرض مصر ـ من تحول الى الدين المسيحى ومن لم يتحـول ـ أقـباطـاً ، لأنهم جميعاً أهـل " قـبـط " التى تحـورت الى " جبت " والى " EGYPT " التى هى مصـر .. تماماً كـما أن كل أهل الهـند يسمون هـنـوداً رغـم أنهم يتحدثـون ـ رسمياً ـ بلغـات عـديدة ، كما أنهم أتـباع ديانات وينحـدرون من أعـراق أكـثر تعـدداً ، وأن كـل أهـل الصين يسمون صينيـين رغـم التعـدد الهائل بيـنهم فى الأصول والمذاهب والعـقائد والأعـراق ، وهـكذا أهـل انجلترا وفرنسا وايطاليا وسويسرا وأمريكا وغـيرهم .. ومن ثـم فـإن كـل أهـل مصر هـم " أقـباط " بالتاريـخ وبالعـلم وبالواقـع ، ولا فـضل لأى منهم ـ فـرداً أو جماعة ـ على الآخـر بدعـوى أسبقـية الـتواجـد ، أو بدعوى أكـثـرية العـدد .. وإنـما الفـضل والقـياس يكـون بالعمـل الـذى يعـلى أمان وسـلامة وتـقـدم هـذا الوطـن .. وأن يعـلو ذلـك فـوق كـل وأى اعـتـبار آخـر مهـما كان مسـماه ..
ولقـد حـدث أن أذاق الإحتلال الرومانى " الأقـباط " جميعـاً كل صنوف العـسف والإذلال والمهانة ، دون أى اعـتبار لمذهـب أو لـديـن ، مع ملاحظة أنه كان احتلالاً مسيحـياً ـ من الناحية الديـنية ـ لأرض اعـتـنق سكانها ذات الدين المسيحى الوافـد اليها .. إذ كان الهـدف الأعلى للإحتلال ، هو أن يحيـل مصر بخـيراتها ومواردها الإقـتصادية الهائـلة الى سـلة غـذاء للإمبراطورية الرومانية كلها ، وقـد حدث ذلك بالفعـل خـاصة فـيما يتعـلق بالمحصول الغـذائى الرئيسى ، وهو القـمح ، حيث كانت مصر تـنـتـج من القـمح مـا يكـفى لغـذاء الإمبراطورية الرومانية كلها ، وكان يٌشحـن مباشرة من الأسكـندرية الى روما ، مسروقـاً منهوبـاً ، كـما يفعـل أى محتـل بموارد وإمكانيات الأوطان التى يحـتـلها حتى اليـوم ( كان هـذا عـكـس ما فعـله " بطليموس الأول " مؤسـس دولة " البطالـسة " التى حـكمت مصر نحو 300 سنة ، وقـد تولى بطليموس الحـكم فى مصر عام 323 ق . م بعـد وفـاة " الأسكــندر الأكـبر " ، وأمـر باحـترام ديـانة المصريين ، ووَفـق بيـن ديانـتهم وبيـن الديانة الإغـريقـية ، وظـهر من أجـل ذلـك معـبود جـديد يـدعى " سرابـيـس " الـذى أعـد لـه معـبد " السرابيـوم " بالأسكندرية والذى كان أجـمل مبانـيها ) .. كما أن الإحتلال الرومانى الذى لم يتعامل مع مصر إلا باعتبارها مصدراً للموارد الإقـتصادية التى يغتـنمها لصالحه ، قـد ساهم بدور رئيسى فى اضمحلال وانكسار دور مصر السياسى والحضارى الريادى فى الشـرق ، وأيضاً فى انكسار دورها الحضارى على مستوى العالم فى العـلوم والفـنون والثـقـافة لمدة 670 سنة ( من 30 ق . م حتى 641 ميلادية ) .. كـما أن " دقـلديانوس " الحاكم الرومانى الذى تولى حكم مصر عام 284 ميلادية ، قـد أراد من الرعايا أن يضعـوه موضع الألوهـية ليضمن بذلك سيطرته عليهم ، ومن ثـم يضمن قـوة واستـقرار مٌـلكـه ، إلا أن المسيحيـين رفضوا ذلـك وقـاوموه مقـاومة كـبيرة ، مما دفـعه الى تعـذيـبهم واضطهادهم وذبـح أعـداد كـبيرة منهم فى أنحاء البلاد ومن جميع طبقات الشعـب .. لكن ذلك لـم يـزدهـم إلا تمسكاً بديـنهم ، ومن الذين حاول دقـلديانوس إغـرائهم للإرتـداد عن الدين المسيحى وعـبادته هو ، سـيدة مصريـة تـدعى " دمـيـانة " التى كانت رئـيـسة لـديـر تـابع لمديـنة " بلقـاس " ( بمحافظة الدقهـلية حالـياً ) ، ولكـنها رفضت ذلك وقـاومته ، فعـذبها ثـم أمـر بذبحها ، وما زال قـبرها فى موقـعه بتـلك الجهة " بـلقـاس " مقـدساً حـتى اليـوم ، يـزوره المسيحـيون والمسلـمون كـل عـام للإحتـفال الديـنى الجماعى بـمولـد الشهـيدة السـيدة " دميانه " ( أهـل المنطـقة ينطـقونها " جـمـيـانه " ) .. وقـد تـرك عـصر دقـلديانوس أثـراً سلبياً بالغـاً فى نفوس المسيحيـين حتى أسـموه " عـصر الشهـداء " .. إضافـة الى ذلك فـإن المحتـلون الرومان اضطهدوا الكـنيسة المصرية ذاتها ، حتى اضطر البابا " بنـياميـن " وهـو البابا الثالث عـشر لها ، الى الهـروب والإختـفاء من بطـش الرومان لمـدة ثلاثة عـشر عـاماً متصلة ، سبقـت الفـتح العـربى .. وحـين عـلم عـمرو بن العاص بـذلك بعـد قـدومه الى مصر ، بحـث عن البابا حتى وجـده ، وأمـنه على نفـسـه وديـنه وأهـله ومالـه ..
وكـان المصريون قـد ضجـوا بالشكـوى من جـور المحتـلين الرومان " إخـوة العـقـيدة " ، الى الدرجة التى جعـلـتهم يرحـبون بالفـتح العـربى كملجـأ للخلاص من هـؤلاء المحتـلين ، بـل إن " المقـوقـس " عـظيم أقـباط مصر ، أرسل الى الرسول الكـريم " ماريـة القـبطية " وأخـتها " شيرين " ( من مدينة مغـاغة بمحافظة المنيا ) ومعهما الكـثير من عـسـل مدينة " بـنهـا " الذى كانت تـشـتهر به ، وقـد تـزوج الرسول بمـارية ، وهى أم ابـنه ابراهـيم ، وظـلت حتى وفاتها مسيحـية ، ولـم يجـبرها الرسول على اعـتـناق الإسـلام ، كما تـزوج " حسـان ابن ثابت " شاعـر الرسول أخـتـها شـيـريـن .. كـما أن أم العـرب هى " هاجـر " المصرية أيـضـاً ( من قـرية " مَـنـت " بجـوار الفـرما بمحافـظة بورسعـيد ) ، وهى زوجة ابراهـيم عليه السلام وأم ابـنه الأكـبر اسماعيل أب العـرب ، وجـد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ، واسماعـيل هو أخ اسحـق ابن ابراهـيم من زوجتـه سـارة ، واسـحق هو أب يعـقـوب الذى عٌـرف بـاسرائيل ، وهو الجـد الأعـلى لليهـود وقـد تسموا بإسـمه ..
أى أن " الجيـن الوراثى " ممتـد بيـن العـرب والمصريين ، بالإضافة الى أن وحـدة الأرض العـربية ، ووحـدة اللغة العـربية ، ووحـدة النمط الحياتى لهذه الجماعة البشـرية ، قـد جعـل هـذا " الجـيـن الوراثى " يستـكـن ويـتمتـرس فى الوجـود المادى والمعـنوى العـربى .. وتـتجـلى هـذه المعـانى الكاملة لـتـلك الوحـدة فى واقـعة قـدوم " سلـيمان الحـلـبى " ابـن السابعة عـشر عاماً ، من مدينة حـلب بالشـام الى مصر ليقـتـل الغـازى الفرنسى " كليـبـر " جـزاء غـزوه لمصر ، وليس الشـام ، فتـنقـض عـليه الآلة الفـرنسية الإستعمارية الفاجرة ، ويـتم إعـدامه عـلى " الخازوق " ..
ومعـروف أن مصر لم تـتعـرب من حيث اللـغة ، كما لم تصبح أغـلبيتها من حيث الديـن مسلمة ، إلا بعـد ما يـزيد عن مائـتى عام من بـداية الفـتح العـربى ، وهـذه المدة الطويـلة تـنـفى القـسـر أو الإكـراه من جانب الفاتحيـن تجاه أهـل مصر ، باعـتبار أن أحـدى المقولات الأساسية فى الشريعة الإسلامية تـقـول " لا إكـراه فى الديـن " .. كـما أن هـؤلاء العـرب المسلميـن الفاتحـين الذيـن لم يكـن عـددهـم يتجاوز الأربعة آلاف ، لـم يستـقر منهم فى مصر أكـثر من نصفـهم ، حـيث واصل الباقـون الإنتـقـال الى شمال أفـريقـيا حتى موريتـانيا ..
ترتـيـباً عـلى ذلـك ، وفـيما يـتعـلق بجـدى أو جـد شـيخ الأزهـر ، الذى كان موجـوداً عـلى أرض مصر يـوم أن دخل العـرب المسلمون إلـيها .. فـليـس هناك الـيوم أو بعـد مليـون سـنة من يستـطيع أن يجـيب إجـابة قـاطعة وبـاتة ومانعـة عـلى أيـاً من الأسـئـلة الـتالـــية :
ـ هـل كان مسلـماً قـدم مع القـادمون من الجـزيرة العـربية ، وأنا حـفيده ، فـأكون بذلك من أصول عـربية ؟ ..
ـ أو أنـه كان حـفيـد " خـونانوب " ( الـفلاح الفصيح ) المصرى الفرعـونى ، ثم اعتـنـق الديـن المسيحى بعـد دخـول الرومان الى مصر ، ثـم اعتـنـق الديـن الإسلامى بعـد دخـول العـرب إلـيها ، وظـل كـذلك ، وأنا حـفيـده ، فـأكـون بذلك من أصول مصرية فـرعـونية ؟ ..
ـ أو أن أجـداده كانوا من الإغـريـق الذين استوطنوا مصر بكـثرة شـديدة فى زمن حكـم " إبسمتيـك " ( 663 ـ 609 ق . م ) ابن " نخـاو " والذى خـلفه فى الحكم ، والذى كان من توجـهاته الأساسية ضرورة الإخـتلاط بالأمم البحرية الموجودة على شواطىء البحر الأبيض المتوسط ، والإستـفادة بشكل عام من حضارات الأمم المتـقـدمة منها يومها ، وأن الغـزو الرومانى لمصر والذى حمل معه الدين المسيحى أدرك هـؤلاء الإغريـق المستوطنون فى مصر ، فتحول بعضهم الى الدين المسيحى الوافـد مع الرومان ، ثم الى الديـن الإسلامى الوافـد مع العـرب ، وأنا حفيد واحـداً من هـؤلاء الأخيرين ، ومن ثم أكـون أنا من أصول إغـريقـية ؟ ..
ـ أو أن أجـداده كانوا روماناً مسيحيـين جاءوا الى مصر مع الغـزو الرومانى ، واستوطنوا فيها واستـقروا الى أن دخـل العـرب اليها ، فاعتـنق هو الإسلام مع من اعـتـنقوه ، وظـل كذلك ، وأنا حـفـيده ، فـأكون بـذلك من أصول رومانـية ؟ ..


( بحـث قـدم يوم 24 أبريل 2013 فى المؤتمر الذى نظمته الجمعية المصرية
للدراسات التاريخية والمجلس الأعلى للثقافة فى الفترة من 22ـ 24 أبريل )
محمد يوســـف
وهـكـذا ، فـإن كل الإحتمالات المتـقـدم ذكرها بخصوص أصل جـدى أو جـد شـيخ الأزهـر وأصل " المعـتـقـد الديـنى " لأى منهما واردة ، باعـتبار أن أيـاً من هذه الاحتمالات قـائم ، يستحـيل نـفـيه نـفـياً قاطعـاً ، كما يستحـيل تأكـيده تأكـيداً قاطعـاً .. لكـن الثابت والمؤكـد ـ بكل التأكـيد وبكل القطع ـ فى هـذا المشهد والسياق الإجتماعى الوطنى التاريخى المصرى ، هـو أنـنى ككـل المصريين ـ أهـل قـبط ـ أعـيـش الآن فى " بـلادى " و " أرض أجدادى " ، وأن مصر هى " وطـنى " ، كما هى كـذلك تماماً بالنسبة لـبابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ، وبالنسبة لصديقى الحميم الكاتب والباحث الأستـاذ جورج المصرى وباقى أعضاء " الـشـلة " التى تجمعـنا ـ مسلمين ومسيحيـين ـ منـذ سنوات طويلة .. وهـنا تـنتـصب أيضاً ، وبقـوة ، مقولة " إن تغيـير العـقيدة أو الديـن ، لـم يـؤدى عـلى مدى التاريخ كـله الى تـغيـير الوطـن " ..
المحـور الثالث .. لم تكـن الإغارة الأمريكية الفاجـرة على العـراق عام 2003 فـقط هى التى أعادته " متخـلفـاً ألـف سنة الى الوراء " ، وإنما الذى ساعد على ذلك وخلـق المناخ الحاضن له ، هو ذلك الإنفجار العـرقى والمذهبى الذى حـاق بالعـراق واستـشرى فـيه ، بدعـم وتحريض من المحتـل الأمريكى الذى دمر لحمة العراق الإجتماعية والتاريخية والإنسانية والتراثـية ، حتى أصبح الآن مقسماً ـ فى الواقع ـ الى ثلاث دويلات هـزيلة : واحـدة شيعـية ، وثانـية سنـية ، وثالثة كـردية تلك التى لها عـلم ونـشيد وجـيش مستـقـل عن الحكومة المركزية .. وهو ذات التـفجـير الذى حـاق بلـبنان وبالصومال وبالسودان ( النـشيد " القومى " لـ " دولة " جنوب السودان باللغـة الإنجلـيزية التى هى أيضاً اللغـة الرسمية لتـلك الدويلة ) ، وهو ذات التفجـير الذى حـاق بليـبيا التى تحولت ـ فى الواقع ـ الى دويلتـين ، كما أنها تـشهد حرباً أهـلية منذ الإغـارة الأمريكية الأوربية العـربية عـليها عام 2011 ، وهو أيضاً ذات التـفجير الذى يجـرى الإعـداد الآن له كى يحيـق بسوريا وباليمن وبالجزائر .. فهـل مبـيت لمصر أن يحـيق بها تـفجـير مماثـل حتى تكون هى " الجائـزة الكـبرى " طبقـاً للمخطط الذى أعلنـته كونداليزا رايس ، وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2005 والذى ينص على : " ضرورة تقسيم المنطقة الى ثلاثة وسبعين دولة ، ومصر هى الجائزة الكـبرى " ؟؟ .. الملفت للنـظر أن العامل المشترك بين هذه التـفجيرات التى حدثـت فى الوطن العـربى ، هـو إذكـاء وتأجـيج الصراعات الديـنية والعـرقـية والمذهبـية ، كـتمهـيد طبـيعى للـتـقسيم وللتـعـدد ..
المحـور الرابع .. كـنا وما زلـنا وسوف نظـل رافـضون لبعـض التعـبيرات والمسميات التى تـتـشـح بـرداء دينى ومذهبى وعنصرى وإقـصائى ، مثـل مسمى " الإخـوان المسلمين " ، لأننا نرى أنه انخفاض بعمومية الإسلام وشموله الدينى والعـقيدى والتاريخى ، ومحاولة مكشوفة من أجل " خصخصته " وحصره وتسجـيله فى " الشهر العـقـارى " لصـالح جـماعة بعـينها يمكن التعـرف على أعضائها بالإسـم ، إن عـلى المستوى الوطنى الداخلى ، أو على المستوى العالمى ( حسن البـنا لـيس هو الذى أسس جماعة الإخوان المسلمين فى الإسماعيلية عام 1928 ، كما يروج لهـذا القول الخاطىء منذ نحو ثمانين عاماً ، بـل إن الذى أسسها عام 1927 فى الإسماعيلية هو " أحمد السكـرى " ، وقـد كان له ثلاثة مساعدين أحـدهم حسن البـنا ، الذى تمكن من إقـصاء زميليه ، ومن بعـدهم تمكن من إقـصاء السكرى نفسه ، ليسجل نـفسه فى التـاريخ باعـتباره الذى أسـس الجماعة ( كتاب " الإخـوان وأنـا " لفـؤاد عـلام ) .. وفى دراسته الهامة بعـنوان " ثـورة يوليو والإخوان المسلمين " يقول الأستاذ سامى شـرف : " ... لكن ما حـدث بالفعـل ، هو سعى قـادة الجماعة - وفى مرحلة مبكرة جـدا - إلى دخول المعـترك السياسى كـتيار صالح للاستخـدام من جانب الملك وأحيانـاً من جانب البريطانيين أنفسهم ، لضرب تيـارات أخـرى وفى مقـدمتها حزب الأغـلبية ، واقـدم هؤلاء القادة على بعـض التصرفات لخـدمة هـذا الهدف ، لكنها أثـارت ردود فعـل معاكـسة لأجنحة اخـرى داخل الجماعة .. وقـد تمثـل أول هذه التصرفات عـندما قبـل الشيخ حسن البـنا تبـرع الشركة الفرنسية التى كانت تـدير قـناة السويس وقـتـئذ بمبلغ خمسمائة جنيه لبـناء أول مقـر للجماعة فى مدينة الإسماعيلية ، مما أثار اعتراض بعض الأعضاء المؤسسين باعـتبار أنها شركة استعمارية لا يهمها الإسلام فى شـئ ، لكن الشيخ كان مهتما فى المقام الأول بتـدبير التمويل اللازم لجماعته الوليدة ، والأهم من ذلك هو طمأنة القائمين على الشركة ومن ورائهم الأجانب المنتشرين فى منطقة قـناة السويس إلى اقـتصار مقـاصده عـلى الجوانب الديـنية فـقـط ... " ) ..
الى جـانب أن هـذا " التخصيص " للديـن هو تجاهـل للوطن ولقضاياه من الأساس ، وامتـطاء للديـن لتحقـيـق أهـداف دنيوية ومذهـبية وفـئـوية ، قـد لا يكـون لها أية علاقـة أساسية بالديـن ولا بالوطن ، باعـتبار أن الإخـوان المسلميـن والقطاع الأكـبر من الـتـيار الإسلامى لا يـؤمـنون ـ من الناحـية العـقـائـدية ـ إلا بـ " الجامعة الإسلامية " و بـ " الأممية الإسلامية " وبوحـدة أرض الإسلام ، ويـتصورون أن الرابطة " الوطنية " هى رابطة عنصرية ، تـتـناقـض مع الرابطة الديـنية .
( يسأل المرشـد السابق لجماعة الإخوان المسلمين مهـدى عاكـف سؤالاً يطـفح بالموافـقة الكاملة على ما نقول ، يسـأل : " مـاذا لـو حكم مصر واحـد من باكستـان أو أفـغانستان ؟ " ، ومن ثـم فـإنهم لايعـترفـون بالوطنية ولا بالقـومية .. كما اتجـه سـيد قـطب بدعوته الى خـلع الإنـتماء للمجـتمع / الوطن ، بـل وتـكـفـير هـذا المجتمع ، وإسقـاط مقـوماته وأنماط حـياته الحاضرة ، واسـتـبدال ذلك كله بالإنـتماء الى الأمـمية الإسـلامية .. ويقول " أبـو الأعلى المودودى " أسـتاذ سـيد قـطب ، وهو باكـستانى درس الحقوق فى جامعة القاهرة فى أوائل خمسينات القـرن العـشرين ، وهـو الـذى لـقـن ســيد قـطب تعـبـير " الحاكمية لـلـه " ، يقـول
المودودى فى كـتابه " بين الدعـوة القومية والرابطة الإسلامية " فى الصفحات من 1 الى 16 ، كما يورد الدكـتور محمد عصمت سيف الدولة فى دراسة له بعـنوان " يحيا الوطن .. يسقط الوطن " على لسان أبو الأعلى المودودى : " إنـه لا يكاد ينـشـأ الشعـور بالقـومية لدى قـوم ، إلا وهـم يصطبغـون بصبغة العصبية ، إن هـذه القوميات التى جرت بـلاءً عـظيماً عـلى الإنسانية ، ووزعـت العالم الإنسانى الى مئات وآلاف الأجزاء .. إن القـوميات التى تـقوم على هـذه الأسس لا سبيـل الى التوفيـق بيـنها بأى حال من الأحـوال ... " .. ويـقول الدكـتور القرضاوى فى كـتابه " حـتمية الحل الإسلامى " صفحة 138 : " إن القومية تـؤدى الى أن يصبح ولاء المسلم لرقعة معـينة من الأرض أو الجـنس وعنصر خاص من الناس ، ومقـتضى هذا أن يقدم الرابطة الطيـنية العنصرية ، وبعـبارة أخرى الوطنية والقومية ، على الرابطة الدينية الإسلامية " .. ويقول " هانى السباعى " فى مقال بعـنوان " دور رفاعة الطهطاوى فى تخـريب الهوية الإسلامية " نشرته صحيفة " الشعب " فى موقعها على الإنـتر نت عام 2002 : " لأول مرة فى تاريخ المسلمين ، تظهر كـتابات تـتـكـلم عن الوطنية والمواطن ، والـتـغـنى بالوطن على حساب الديـن .. لقـد تكـلم الطهطاوى عن تاريـخ الفراعـنة بفخـر واعـتـزاز ، فـتمجـيد تاريـخ ما قـبل الإسلام كان لـتأكـيد مصطلحات الجاهـلية الجديدة الوطن / المواطن / الوطنية " ..
وأيضاً نـشرت صحـيفة " الأهـرام " يـوم أول فـبراير 2013 حديثـاً لمحمد الظواهرى زعـيم " السلـفـية الجهادية " كما عرفـته الصحيفة ، وشـقيـق أيمن الظواهرى الذى كان رفـيقـاً لـبن لادن فى أفـغانستان ، والذى يقـال أنه القائـد الحالى لتـنظيم " القاعـدة " بعـد مقـتـل بن لادن .. قـال محمد الظواهرى : " ما نأخـذه على الدستور الجـديد هو مخالفـته للشـرع ، وأبـرز ذلك هو جعـل السيادة للشعب وليست لله سبحانه وتعالى ، وللنـظام الديمقراطى الذى سلطة التـشريع فـيه لـنواب الشعـب وليست لله ... نرفـض الديمقراطية لمخالفتها للشريعة ، فـالديمقراطية لا تعـنى الحـرية والمساواة كـما يحاول أن يروج مـؤيدوها ، بـل تعـنى سيادة الشعـب ، وتـنزع السيادة من الله " .. وفى نـفس الصفحة من نـفس الصحيفة فى نـفس اليوم ، يـرد الدكتور حامد أبو طالب عـضو مجمع البحوث الإسلامية عـلى من يقولون بـذلك قـائلاً : " ... إن هـذه الأفـكار تـقوم على " تجـريم " كـل ما لم يكـن موجوداً فى عهـد الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، أو ما لم يفعـله الرسول .. وهـذا فـكر شـاذ عن أفـكار المسلمين ، ويحرمهم من الحـياة المتـطورة التى لا تصطدم أو تـتعارض مع حـكم ثابت فى الشريعة أو نص فى القـرآن والسنة والإجماع ، وعلى الإخـوة الـذين وصفـوا أنفسهم بالسلفيـين من دون المصريـين أن يتـبرأوا من هـذه الأفـكار ، وإلا فـإن معنى ذلك أنهـم يريـدون العـودة بمصر والعالم الإسلامى الى الحـياة البـدائية التى لم توجـد فـيها سـيارة أو
طائرة أو بندقـية ، وعليهم الإستمرار بالجهـاد بالسيف فـقط وعـدم استعمال أى من الأدوات المبتـكرة الـتى لم تكـن فى عـهد الرسـول " ) .
والإخـوان المسلمين والسلفيـين فى هـذا ، كـأنهـم الـوجـه الآخـر للشيوعـيـين الذين لا يعـترفـون أيضـاً لا بالوطن ولا بالقومية ، وإنـما يعـترفون فـقـط بـ " أممية البلوريتـاريا " التى تعـنى أممية الطبقـة العاملة ووحدتها على مستـوى العالم كـله ، حـتى وإن كان ذلك على حساب الوطن .. وقـد جاء فى كـتاب " أسـس الماركسية اللينيـنية " 1963 : " خـطر القـومية الأول يكمن فى أنها تـلهى العمال عن الصراع ضد عـدوهم الطبـقى ... هـذا بالإضافة الى أن انـتـشار الأفـكار القـومية والشوفـينية يـؤدى الى تـفكـك وحـدة الطبقة العاملة ، ويضر روابط التضامن الأممى ، وما لم تحارب القـومية ، والشوفـينية ، فـإنها ستضعف حـتماً حـركة الطبـقة العاملة " ( يومـاً مـا ، رأيت بنـفسى على شـاشة التـلفـزيون نـدوة للحزب الشيـوعى فى الأردن ، وسمعـت أميـنه العام يقـول فى بـدايتـها : " ... ونـوجـه التحـية للحـزب الشيـوعى الشقـيـق فى اسرائـيل " ) !! ..
وفى سـياق الحديث عن الديـن ، فـإنـنا نـتـصور أن إهـدار الإخـوان المسلميـن ـ بكـل فـصائـلهم ـ للوطـن ، لصـالح " الأممية الإسلامية " إنـما يـرجع الى قـصور خـطير فى فـهم التاريـخ والواقـع ، كما يرجع الى عـدم إدراكهم أنه فـيما يتعـلق ـ تحـديداً ـ بالعـرب وبالعـروبة وبالأمة العـربية ، فـإن " للإسـلام خصوصية عـربية " ، إذ أن الإسلام نـزل على العـرب وفـيهم ، وبلغـتهم ، وأن كـتابه الأساسى والجامع ، القرآن الكريم ، قـد نزل بهذه اللغة ، كـما أن الإسلام حـين امتـد الى كل بقـاع الأرض فـإنه قـد سار عـلى قـدمين عـربيين : اللـغة العـربية والإنسان العـربى .. وبنـفـس القـدر ، فـإن " للعـرب خصوصية إسلامية " إذ لما نـزلت رسالـة الإسلام عليهم ـ دون غيرهم ـ فـإنهم تـلقوها وآمـنوا بها مخـلصين ، وتوحـدوا معـها بالقول والعـمل ، وحملوها فـوق أعـناق جـهـادهم وتـضحـياتهم حـتى أوصلوها الى كـل من أراد الله أن تـصل إليـهم .. ليـس هناك إذاً أى خـصومة أو تعـارض أو تـناقـض بين الإسلام وبين العـروبة ، بـل هناك وحـدة ولحـمة وتـكامل عـلمى وواقـعى وتاريخى ، وإذا خٌـصم أحـدهما من هـذه اللحـمة ، يـنهار الثانى ، ومن ثـم فـإن بقــاء كـل منهـما لازم وضرورى لبقـاء الإثـنيـن معــاً .. وفى السـياق نقـول بيـقـين كامل : لا توجـد ـ ولا يجب أن توجـد ـ خـصومة بين الوطن وبين الديـن .. أولاً لاخـتلاف الطبيعة الأساسية لكـل منهما ، فـالوطن كيان مـادى يـتمثـل فى مكان الإستـقرار والعـيش والعـمل ، وهـو مقـر العائلة والأهـل والـنسل ، وهـو مقـام الرفـقـة والجـيرة والأصحـاب والذكريات .. أما الـدين فـهو مجموعة العـقـائد والأفـكار والـقـيم والمثـل العـليا التى يعتـقـدها الإنـسان ويعـتـنـقها وينحـاز الـيها ، ويعـيـش بها ومعها ، وتعـيش معـه داخـل هـذا الوطن .. ومن ثـم فـليـس هـناك أى تعـارض أو تناقـض بيـن الإثـنـين ، وإنـما هـناك تكامل عـقـلى ومنطـقى وتـاريخى .. وعـقـيـدى .
وفـى السيـاق أيـضـاً ، نـقـول أنـنـا كـنـا وما زلـنا وسـوف نـظـل رافـضـين لـمسمى " وطـنى " ومسمى " بـلادى " اللـذين تعـنون بهما عـادة بعـض الفعاليات الإعلامية المسيحـية المقروءة والمرئـية فى مصر ، وأيضـاً بعـض الهتافـات والشعـارات المسيحية من نوع " إحـنا اصحـاب الأرض ديـه " ، لأنـنا نرى أن مثـل ذلـك هـو محـاولة أخـرى لـ " خـصخـصة " هـذا الوطن وتسجـيـله فى " الشهر العقـارى " أيضاً باسـم جـماعة يمكن التعـرف على أعـضائها بالإسم ، إن عـلى المستوى الوطنى الداخلى ، أو على المستوى العالمى ، وهـو إقـصاء للآخريـن ، أو ـ فى أحـسن الأحـوال ـ اعـتبارهـم " ضيـوفـاً " عـلـيه ، وسـوف تـنـتهى استـضافـتهم يـوماً مـا .. إن لـم يكـن مطلـوباً إنهـاؤها الآن ( ! ) .
المحـور الخامس .. إنـه يمكن تـقسيـم أرض الوطن باعـتبارها جـماداً معـدوم الإرادة .. لكـن الإنسان بإرادته وفـكره ، والـذى هو صانع التاريـخ ، وحاضنه ، كـما أنه مبـدع الـتراث والثـقـافة والعـادات والتـقـاليد ، وأنه المخلـوق الوحـيد الذى له إرادة فـاعـلة وعامدة ومسلحة بعـقـل قـادر على التـفكـير والتدبـير والتـذكـر .. هـذا الإنسان يستحيـل تـقـسيمه ، كما يستحيـل نـفيه من وطـنه أو نـفى وطنه منه .. وفى هـذا الصدد تـنـتـصب أمامنا مقـولة قـداسة الـبابا العـظـيم الراحل شـنـودة الثالث بابا الأسكـندرية وبطريرك الكـرازة المرقـسية ، الذى قـال : " إن مصر ليـست وطنـاً نعـيـش فـيه ، وإنما هى وطـن يعـيـش فـيـنا " .. وكـذلك ينـتصب أمامنا اصرار كل الذيـن طردوا أو هٌجـروا من أوطانهم التى اغـتصبت بالعـدوان والإحتلال والإستـيطان ، إصرارهم على العـودة الى أوطانهم مـرة أخـرى وتحـريرها ، وتـلك لـديـهم تـسمى فـريضة " حـب الوطـن وافـتـدائه " ، التى نـرى أن لها نفـس منـزلة وقـدسـية أى فـريضـة ديـنـية .
وإذا كان الفرعـون المصرى القـديم " مـيـنـا " قـد وحـد شمال مصر مع جـنوبها منـذ نحـو ثلاثـة آلاف ومائـتى عام قـبل الميلاد ، فـإن ما يقـارب من نصف هـذه المدة قـد مرت على مصر وهى تـزهـو بحالـتها الراهـنة بيـتـاً واحـداً لكل أبنائها " الأقـباط " ، المسلمين منهـم والمسيحيـين .. كما أنـه ومنـذ أن وحـد هـذا الفرعـون العـظيم مصر ، فـإنها لـم تـشهـد أيـة تجـزئة لجسدها الواحـد ، ولا لحـدودها الجغـرافية الحالية ، ولا شهـدت أيـة صراعات إثـنية أو عـرقـية أو مذهـبية أو ديـنية تـذكـر ، ومن ثم فـقـد احتـفـظت على الـدوام بوحـدة أراضيها ، وبوحـدة ضميرها ، وبوحـدة وجدانها .. وكانت هـذه الوحـدة ، وهـذا التوحـد والتجانس الحقيقى الثابت والعميـق ، هما اللـذان مكـناها من أن تهـضم كـل غـارات العـدوان
التى تـتالت وتـنوعت عليها ، والتى لـم تـنقـطع عـبر تاريخـها كـله .. ثـم خـرجـت كل تـلك الغـارات من التاريخ ، بينما بقـيت مصـر ثابـتة فـيه ، كـما هـى ..
( قبل تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2005 حول المخطط الإستراتيجى الإمبراطورى الأمريكى للمنطقة العربية بتـقسيمها الى 73 دولة " ومصر هى الجائزة الكبرى " .. قـبل هذا التاريخ بعـشر سنوات كان ـ وما زال ـ مستهدفـاً تـقسيم مصر الى دولة مسيحـية فى الجنوب ، ودولة سـنية متـشددة فى الـدلـتا ، ودولة للنوبييـن فى الـنوبة .. وهنا ظهر " حجاج أدول " الذى يعـيش فى أمريكا ، مطالباً بدولة نوبـية مستـقـلة عن مصر ، بدعـوى أن النوبيـين لـيـسوا عـرباً ولا لغـتهم ولا ثقـافـتهم كـذلك ، وإنما هم أفـارقة .. كما لوحظ فى أعقـاب ثورة يناير 2011 نـشوب عنف طائفي فى مصر ، متعـمد ومدروس ، حـيث كانت واشنطن تعتـقـد أن سقـوط سوريا وتـقسيمها لن يستـغـرق أكـثر من شهر واحد بعـد سـقوط ليبـيا , ثم يـبدأ تـقسيم مصر .. وقد لوحظ أنه لأول مرة بعـد ثـورة يـناير يتـناول الإعلام فى مصر ـ بتركـيز شـديـد وإثـارة ـ النوبيـين كـقضية شائـكة فى مصر ولابـد أن تحـل ، كما كان سـر الفراغ السياسي في مصر هو إنـتـظار تطور الأحـداث في سوريا حتى تسقـط ، ليـبدأ ذات المشهد فى مصر .. ولأن سوريا لـم تسقـط ، فـقد توقـف العـنف الطائفي في مصر مؤقـتاً ، وتـفرغـت جميع القـوى المعادية للأمة العـربية : أمريكا والكيان الصهيونى والرجعـية العـربية وتـيارات التـأسلم السياسى لإسقـاط سـوريا ، ولا يـزالون .. لكـن سوريا ما زالت ـ وسوف تـظـل ـ صـامدة .. وسـوف تـنـتـصر ) .
تـلـك هى جـدلية الوطـن والديـن فى مصر ، وذلـك هـو التاريخ المفـتوح والثـابت والمسجـل .. فـليفهم ذلك من يعنيهم هذا الوطن ، ومن يعـيشون فـيه ، ويعـيش فيهم .. أو ليخـرج من دائـرة الإهـتمام من ينكـر حقـائق التاريخ ويكابر تجاهها ، أو يتعالى على هـذا الوطن وينكـره ، ويتاجـر بوعى الـناس وبمشاعرهم وبتـدينهم ، أو يحـاول فـرض وصاية بشـرية مصطنعة ومغـرضة على أهـله باسـم الديـن وباسـم الشريعة ، بيـنما هـو يـتاجر بالديـن وبالشريعة معـاً ، بـل ويتاجر أيضاً بالوطن ذاتـه .. باعـتبار أن الوطن فى اعـتـقاد هـؤلاء لا يـرقى الى " الأممية الديـنية " التى يبتـغـونها ، بـل وأنه معـوق فى سبيـل تحقـيقها .. ونـسى هـؤلاء أن الرسول الكريم محـمد ، صلى الله عـليه وسلم ، قـد بكى وهـو يغـادر " مكـة " مهاجـراً فى سبيـل الله لتـبليـغ رسالـته الى كـل البـشـر .. لقـد بـكى النـبى لأن مكـة هى " وطـنه " ، وقـد ظـل " وطـنه " هـذا راسخاً مسـتـكـناً بداخـله ، كما ظـل هـو يـشتـاق الـيه ، ويحـنو عـليه ، حـتى عـاد الـيه فاتحـاً منـتصراً .. ورغـم انتـصاره التاريخى المـدوى والحاسم فى تاريخ الدعـوة ، فـقـد عـاد حـانياً عـلى الوطـن ، متسامحـاً مع أبـنائه الى حـد أن أذهـلهـم هـذا الـتسامح ، فـدخـلوا " فى ديـن الله أفـواجـاً " ..
وأيضـاً ليخـرج من دائـرة الإهتمام كـل من يحاول إشعـال حريـق مذهـبى أو ديـنى أو طائفى فى مصر ، وهى مصـر ذاتها التى احتـضنت وعـاش فـيها جـنباً الى جـنب أتـباع كل الأديـان والشرائع السماوية ، بـل وأتباع العـديد من العقـائد والشرائع البشرية الأرضية التى عٌـرفـت على مـدى تاريخها .. وبقـيت مصر " الوطن " حاضرة وثابـتة وراسخـة ، لا تباع ولا تـشتـرى ولا تستبـدل ولا تـتبـدل .. إن هـذا الحريـق الذى تعـمل على إشعـاله كل القـوى المعادية لمصـر وللأمة العـربية وللديـن الإسلامى ، إن شــب ـ لا قـدر الله ـ فـإنه قـد لا ينطفىء قـبـل ألـف عـام ، ومن ثـم فـإن حـصاره وإطفـائه ، ووأد الفـتـنة التى تحـاول أن تـشعـله .. إنـما هـو " فـريـضة " وطـنـية ودينية يـتعـين أن تـــؤدى .
محمول : 01222155611

Firstline_youssof@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق