السبت، 18 أكتوبر، 2014

تراث ومأثورات تفوق الفنون التشكيلية المصرية بقلم : شوقي عبدالحكيم

تراث ومأثورات
تفوق الفنون التشكيلية المصرية
بقلم : شوقي عبدالحكيم


يحق لنا هنا في مصر التوسع في إنشاء قاعات عرض للفنون التشكيلية فن متاحف ومعارض مثل قاعات عرض قصر عائشة فهمي وقصر الفنون وقاعات ومعارض الدبلوماسيين الأجانب وأتيليه القاهرة للكتاب والفنانين والمشربية وغيرها من قاعات المعارض التي تنتشر بالقاهرة الكبري والتابعة لقصور الثقافة الجماهيرية وآخرها التوسع الكبير اللافت بقصر المقتني المرموق للفن الحديث محمد محمود خليل باشا والاستعدادات التي صاحبت افتتاحه علي نطاق عالمي لا شك فيه اننا ورثة تراث تشكيلي متميز ضمن تراث العالم القديم ترجع جذوره إلي قرابة ستة آلاف عام تمثال الدولة الراسخ خفرع في جلسته الخالدة وتمثال الإله خسو والمرأة التي تعد الخبز ورأس رجل موجود بمتحف اللوفر بباريس وشيخ البلد ورأس سنوسرت الثالث وتمثال تحتمس الثالث وحورمحب بمتحف القاهرة, بالإضافة إلي شوامخ النحت العملاقة التي اقامها بمعبد أبي سنبل رمسيس الثاني بما تحمله من حضور أخاذ وبلاغة تعبيرية عبر العصور.

يفد إليها السياح بمئات الآلاف كل عام ليستقوا من تفوق نحت الدولة الحديثة فانفتاحها المرتكز علي نحت ما قبل التاريخ والدولة القديمة, فهناك خصيصة وأسلوب التزم به الفنان المصري الفرعوني ظلت سائرة متوارثة تجدها في تأنيس أو منف أو طيبة أو وادي الملوك, وقد تتنوع من عصر لآخر من حيث قيمتها التعبيرية خاصة في محتويات مقابر الشيخ بالقرب من القرنة مثل تمثال المرأة الموجود بمتحف فلورنيس وذلك في الكثير من مقتنيات المتحف البريطاني التي تشغل الدور الأول منه, وقد يجيء الاختلاف واضحا في مدرسة تل العمارنة التي اوجدها اخناتون حيث تتضاعف القيم التعبيرية في تماثيل ورأس نفرتيتي الموجود بالمتحف القومي الألماني واللافت أن معظم من كتبوا وأرخوا للنحت المصري القديم أغفلوا بضعة ملايين من نماذجه المختلفة المتنوعة التي صيغت من الفخاريات والسيراميك والبورسلان والأخشاب والمعادن بأنواعها حتي الفضة والذهب والاحجار الكريمة من الفيروز سيناء ولابس لزولي ـ حجر الملك ذي يزن والياقوت واللازورد والعقيق وهكذا وهي أيضا منحوتات لملوك وآلهة ومعبودات وطواطم وأعمال زينة تصل دقتها وكلاسيكيتها إلي حد معجز متميز بل هو متفوق علي تراث العالم التشكيلي بلا استثناء اما في التصوير والجداريات ورسوم البرديات والاحجار الملونة التي تعرف الملوك والملكات والتي لا يمكن حصرها علي طول جبانات مصر, بالإضافة إلي رسوم الاقنعة وملايين التوابيت المزينة بالرسوم والنصوص وما كان يوضع مع الميت في قبره من حلي باهرة واكسسوارات وونايس تؤنس الميت في قبره وكذا الاوثنيات التي يصل عددها مع كل ميت إلي360 وثينيا للدفاع عنه خلال أيام السنة القمرية فلا يمكن حصرها وكل هذا يدعونا إلي تكرار دعوة عميد الأدب العربي طه حسين الذي دعا مرارا وتكرارا إلي ضرورة وأهمية دراسة الفن المصري القديم واستيحائه في أعمال الرواد والأوائل كما تبدي في أعمال الراحل الكبير راغب عياد ومن المحدثين منير عنان, وعبد الوهاب موسي وسيد عبدالرسول ومحمد موسي لحين مجئ الجيل الحديث, الجزار, وحامد ندا, وكمال خليفة ووجيه وهبة والعشرات من الفنانين علي مختلف مسالكهم ودروبهم الذين واصلوا المسيرة في استيحاء الفنون الفرعونية التي بهرت العالم واجتذبت الكثير من الخالدين منذ ماتيس ودرة النحت الإنجليزي هنري مور الذي دأب منذ مطلع حياته علي زيارة مصر العليا في الأقصر وأسوان ليستوحي كتله الراسخة.
تعاليم العندليب الحكيم
قطع العالم المتحضر شوطا كبيرا في المعرفة بأصول ومنابت تراثه حتي الشفهي من حكايات ومأثورات وخرافات وأمثولات وحكم بسيطة ملخصة مثل علي رأي المثل وذلك لإعادة إنارة طريقة الآني والمستقبلي, بما يتيح الأمثال للعصور العلمية والتقنية المتخلصة من ركام وخزعبلات العالم القديم الذي لا يمكن تصور مدي هيمنتها علي عالمنا الحاضر الماثل ويكفي فقط تصور مدي سيطرة الخرافة بعالمها العفاريتي علي أذهاننا فيما قبل المعرفة بالكهرباء لذا فالخرافات ملازمة للظلام وصنوه.
من هنا أسوق هذه الحكاية البسيطة التي لا تزال تعيش علي الشفاة وتاريخها وهجرتها ودخولها حتي في المقدسات من هنا فأي حكاية أو مأثور لا يتحدد تاريخه وهويته يصبح بلا قيمة وفي هذه الحكاية النمطية واسعة الانتشار عن تعاليم العندليب بما يبرز ذكاء العاجز والضعيف بإيذاء خصمه القوي, وفي حكايات الذكاء هذه فالفأر عادة ما يتحقق إنتصاره علي الأسد, والعصفور واسع الحيلة أو الزعرور في الحكايات السورية ينتصر في النهاية علي الضبع, وعنزة العنزوية التي تأتي لأولادها الثلاثة بالحشائش مغنية, وعندما يتنكر الضبع ويقلدها مختطفا أولادها إلي أن تستردهم في النهاية بمبارزة الضبع بقرونها الذهبية.

كما أن العصفور أو الحجل ينجح في الافلات من الثعلب الماكر ليطير محلقا من بين مخالبه.
ولا يأس من التوقف هنيهه عند حكاية من هذا النوع عن تعاليم ثلاثة لعصفور ذكي صادفتني تنويعاتها في عديد من حكايات البلدان العربية, وشغلت هذه الحكاية كثيرا من الدارسين فلها أنموذج مدون في نماذج وأنماط الحكايات الفولكورية ونص آخر في قاموس الموتيفات تحت اسم نصيحة الثعلب.

فتعاليم الطائر الثلاثة بسيطة لدرجة أنه ليس لها سوي موتيفة روائية واحدة وبهدف الاستشهاد فإن النموذج النمطي الواحد يكفي.
ولقد عثر علي هذه الحكاية بالتحديد في عديد من أقدم المصادر المعروفة وروعي اختيار أنموذج دقيق لها, كما دقق نظري المحافظة علي أدق التفاصيل الأساسية للقصة دون الأحداث الوصفية أو التنويعات الأخلاقية الاستطرادية للحكاية, والتي كثيرا ما يتوالي تكرارها بشكل يتملك الجسد الأساسي للحكاية ذاتها وخصوصا فيما يتصل بالحكايات الشعائرية أو الدينية بشكل عام والحكاية ترد علي النحو التالي.

أمسك رجل بعندليب, فوعده العندليب ثلاث نصائح ثمينة إذا ما أطلق سراحه وتركه يطير في حرية ولما وافق الرجل قال العندليب في التو: لا تجرب المستحيل, لا تتحسر تندم علي مافات, لا تصدق حكاية بعيدة الاحتمال, وهنا أطلق الرجل سراحه, وبعد أن أطلق الطائر حرا أراد أن يمتحن الرجل فقال له ياغبي إنك لم تتعرف علي الكنز الذي أضعته من يدك لأني معي لؤلؤة كبيرة بحجم عين النسر وتملك الطمع الرجل وحاول أن يمسك بالعندليب مستعينا بالباب واعدا بأنه سيعيد إطلاق سراحه فقال له العندليب لقد عرفت الآن الكيفية التي استعملت بها نصائحي الثلاث, فأنا نصحتك بألا تأس علي ما فات وها أنت تقف متحسرا علي إطلاق سراحي.
وتعيش هذه الحكاية الآن في مجموعات الحكايات الشعبية الشاملة أي التي تحوي علي ماهو شفاهي منها, وماله مصادر أدبية فلقد رواها شحاذ هندي, ولأطفال إحدي قري جزيرة سيلان ودونت في كتاب حكايات قرية سيلانية وقيل إن مؤثرات إيرانية تبدو فيها, ووجد للعصفور العاقل والرجل الغبي سبعة أشكال في الفولكلور الألماني, وفي قاموس موتيفات الحكايات الشعبية وأنماطها لتوميسون كما وجدت أشكال متنوعة لها تحت اسم التعاليم الثلاثة.

وعندما نستشهد بكل هذه المجموعة المتنوعة من هنا وهناك لمتنوعات هذه الحكاية يصبح الأمر عسيرا في تعقب الحكاية الأم منذ مصدرها القديم الذي هو مصاحب لمولد البوذية, متواترة حتي أشكالها الحاضرة في مجموعة حكايات القرن العشرين الشعبية واقدم نص معروف لها دون اليونانية من بداية القرن السابع الميلادي يعتقد أن كاتبه هو جون الدمشقي ولقد وجدت هذه الحكاية متخللة جسد حكاية رومانية أو أدبية أخري هي برلام ويوسف والنص في مصدره اليوناني, قصة شيقة ترجع إلي زمن المدينة المقدسة, كما أن حكاية برلام ويوسف وجدت أيضا بكاملها في تعاليم بوذية ويعقوبية ومسيحية, ولقد اعتقد جون الدمشقي المصدر المدون للنصوص البرلامية المبكرة أنها ترجمات مسيحية لرومانيات أكثر قدما, ألفها في الهند دعاة البوذية, أما الكاتب المفترض لحكاياتنا هنا فهو جون الدمشقي ذاته وكان رجلا متعلما ليس فقط لمعرفته الواسعة باللغات وشئون الدين والفلسفة ولكن أيضا بالنسبة للعلم, وتروي عنه حكايات كانتربري أنه كان دكتورا في الفيزياء.

هناك تعليق واحد: