الثلاثاء، 2 سبتمبر، 2014

القبو .. بقلم عماد عبد الحكيم هلال

القبو
فى العمارات التى توحى بالموت اكثر من الحياة، وسلالمها المختلفة عن كل السلالم
فهى تسحبك الى اسفل ، ومن خلال بابها القصير الى حد انحناء رجل قصير ليمر منه
دخلت الى عملها وهى تنتوى ان. تنهى هذه المهزلة التى تحيها ، وان يكون يومها هذا
اخر يوم فى هذا العمل الشاق والمرير ، والذى يقبع على صدرها ويخنقها كاتما انفسها
كل يوم تذهب اليه ، وكعاده يومية اصبحت تمنى نفسها بانهائه وان يكون يومها هذا
هو الاخير فى هذا القبو ، المظلم من الداخل رغم ان الشمس الحارقة تملئ الشارع
فى الخارج ، لاتشم فى هذا القبو الا رائحة العرق المنبعث من جسدها وجسد العاملات
معها ، والاتى تعودن على الرائحة كعادة المدمنين ، ولا واحده منهن تتافف من الرائحة
الا هى بالرغم من مرور عدة سنوات على عملها فى هذا القبو، ورائحة العرق لا تفارق
انفها فى داخله وخارجه ، رغم نها تقضى اوقات طويلة فى الحمام بعد عودتها من عملها
تنظف جسدها وتحت ابطها وبين ثنايا جسدها الذى اخذ فى الجفاف والتيبس بعد
ان كان لدن وطرى ، الا ان رائحة العرق لا تتغير حتى انها كان تصاب بالخوف عندما
يقترب منها احد ، فقد كانت تحرص كل الحرص على وجود مسافة تكفى حتى لا يشم
الاخر رائحة عرقها الذى كان يصيبها بالغثيان فى بعض الاحيان ، وعندما كانت تقرر
ان تتاكد من وجود هذه الرائحة العطنة فتمسك ملابسها الداخلية بعد عودتها من القبو
وتشمها فى الحمام ، بعدها تظل فترات طويلة تنظف جسدها ، وفى اخر مرة قررت
ان تشترى بنصف مرتبها الهزيل مزيل عرق مما يعرض على شاشات التلفزيون ليكون
هو الحل لهذه الرائحة التى لا تفارق انفها ، وبالرغم من هذا استمرت الرائحة تنبعث من
جسدها لا يفارقها وكانه ملتصق بها منذ ولادتها ، ظلت تسال نفسها; منذى متى كانت
هذه الرائحة? ; وفى كل مرة كانت الاجابة منذ ان التحقت بهذا العمل فى القبو ، لا
اجابة جديدة ابدا ، ولا شئ ينهى هذا الالم والهم والذى لاريفارقها ليلا ولا نهار ، قررت
هذا الصباح ان تنهى العمل فى داخل القبو ، ومعه تنتهى هذه الرائحة ، وتبحث عن
عمل جديد فى مكان اكثير تهوية ، ينهى هذه الرائحة ومعاناتها التى حولت حياتها لجحيم
والوقت مناسب واليوم هو يوم اخذ راتبها الاسبوعى ، وكل ماعليها الا ان تخبرهم
انها لن تعمل معهم منذ الاسبوع المقبل ، وبعد انتهاء اليوم ونداء اسمها لاخذ الراتب
سمعت صوت من خلفها لمراقبة العمل; نادية عندك يوم عمل اضافى غدا وانت عارفه
انه بضعف اليوم العادى; عندها صمتت عن الكلام وهزت راسها بالموافقة واخذت راتبها
ومشيت فى صمت تشم رائحة عرقها .

هناك تعليق واحد: